في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ أمتنا، والتي تشهد أحداثاً جساما وتحديات ضخمة، فإن تصحيح المسيرة ودراسة التجارب والاستفادة منها وتجنب أخطائها وممارسة النقد الذاتي العلني والمراجعة لمواضع الزلل والتقصير والخطأ، هو المنهج القرآني السليم لتحقيق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة. من هنا كان من الضرورة ترسيخ النقد العلني لنهج الغلاة والخوارج، الذين أضروا بالإسلام، بتشويه صورته عند المسلمين وغيرهم؛ وأضروا بالمسلمين وغيرهم بما ارتكبوه من جرائم إرهابية كثيرة في بلاد عديدة. كما يلزم النقد العلني أيضاً لمسار وممارسات وسلوكيات التيارات الإسلامية الأخرى على تنوع مناهجها.
سنتناول في هذا المقال والذي يليه بإذن الله، عشرة أسباب تدفعنا لمحاربة نهج الخوارج والغلاة والتطرف الذي تمثله العديد من الجماعات المسلحة في أرجاء العالم، وعلى رأسها تنظيما "داعش" و"القاعدة"، لكون انتشارهما وشرهما واسعين ولا يقتصران على بلد بعينه؛ وبسبب أنهما في مركز الصدارة في تبني هذا المنهج والسلوك المنحرف. وهذه الأسباب هي:
1 - نهج الخوارج والغلو والتطرف تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم بشكل واضح وصريح في أحاديث عديدة، منها قوله صلى الله عليه وسلم لمن غلا في الصلاة والصيام وترك الزواج: "من رغب عن سنتي فليس مني" (متفق عليه)، فكيف سيكون موقفه صلى الله عليه وسلم ممن يخالف سنته عبر تكفير الناس وقتلهم من دون وجه حق؟
وقال صلى الله عليه وسلم: "رجلان ما تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وآخر غالٍ في الدين مارقٌ منه" (رواه ابن أبي عاصم، وصححه الألباني).
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من صفة الخوارج أنهم أصحاب غلو ومبالغة في العبادة، حتى إنهم أكثر عبادة من الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: "ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء" (رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني).
ذلك أن هذا الغلو والمبالغة في العبادة يرتبطان بالجهل بالدين، واتباع الهوى، والبحث عن متاع الدنيا. فرغم رفعهم شعار "إن الحكم إلا لله"، فإن كل مطالباتهم كانت في الحقيقة طلبا لمكاسب الدنيا، منذ أن اعترض حرقوص ذو الخويصرة التميمي على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم طمعاً بنصيب أكبر! وأيضاً الطمع بالدنيا والرئاسة هو الذي كان دافعاً لكثير من الهمج الثائرين على عثمان بن عفان ذي النورين الخليفة الراشد الثالث!
2 - منهج الخوارج والغلو والتطرف يصل بصاحبه للمروق والخروج من الدين، كما حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "يخرج منه قومٌ يقرأون القرآن، لايجاوز تَراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية" (متفق عليه). وقد شبه الرسول هذا المروق من الدين بالسهم (أو الطلقة) حين يصيب الهدف ويخترقه بسرعة بالغة، لدرجة أن السهم (أو الطلقة) يخرج نظيفاً لا أثر للدم عليه؛ وهذه حال كثير من الخوارج والغلاة قديماً وحديثاً، إذ يدخلون الإسلام ولكنهم يغلون ويتطرفون بسرعة بالغة بحيث لا تعلق فيهم أي قيمة من قيم الإسلام من العلم والدعوة والرحمة والرأفة والأخلاق الفاضلة. ولذلك، لم يكن في الخوارج صحابي أو عالم فاضل. وفي واقعنا اليوم، رأينا جميعاً كيف أن كثيرا من أتباع "داعش" ممن قاموا بعمليات إرهابية، هم من مدمني ومروجي المخدرات ورواد الحانات وملاهي الشواذ، فهؤلاء مرقوا من جانب إلى جانب ولم تعلق بهم قيم الإسلام وأصوله، كما بيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 - صفة الخوارج ملازمة للجهل وعدم فهم الدين، وخاصة القرآن الكريم رغم كثرة قراءتهم له. إذ وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، وفي رواية "حلوقهم" أو "حناجرهم" (متفق عليه)؛ أي ليس لهم من القرآن إلا القراءة باللسان، أما الفهم والتدبر بالعقل والقلب فلا! وقال صلى الله عليه وسلم: "يأتي في آخر الزمان قومٌ حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام" (متفق عليه)، وهذا تأكيد من النبي صلى الله عليه وسلم على جهلهم من جهة أخرى، بأنهم صغار في السن لا يمتلكون علماً متكاملاً، وأيضاً تفكيرهم ساذج وأحمق "سفهاء الأحلام". ومن قرأ سيرة الخوارج الأولين وتابع مصائب جماعات الخوارج والغلو والتطرف، سيجد هذا الحمق والسفه والجهل وقلة العلم بالقرآن واضحاً في أفكارهم وخطاباتهم.
ومن تأمل في أعمار منظري فكر الخوارج، مثل ابن لادن والظواهري وأشباههما، سيجد أنهم تبنوا هذا الفكر وهم صغار السن من جهة، وسيجد أن أفكارهم حمقاء بمحاربة العدو القريب أولاً، ثم انتقلوا لحرب العدو البعيد، ثم اقتنعوا أن يجلبوا العدو البعيد ليخرب البلاد حتى يناصرهم الناس، فكانت النتيجة تدمير بلاد المسلمين وتخريبها فقط!
ومن يتابع بعضاً من خطب العدناني، الذي كان الناطق باسم الدواعش، يشاهد مقدار الجهل بالقرآن الكريم قراءة وحفظاً وفهماً.
ومن مظاهر جهل الخوارج في عصرنا، تناقضاتهم فيما بينهم تجاه الموقف من نفس الأشخاص والهيئات والمواقف والأقوال. وهذا يتبين بوضوح في ردودهم على بعضهم بعضا. ومن أمثلة ذلك، ردود فضل سيد إمام والظواهري على بعضهما، واعتراضات أبي بصير الطرطوسي على المقدسي، وآخرها أنه سرق كتاب "ملة إبراهيم" من جهيمان العتيبي. وكذلك كتاب "مختصر شهادتي على الجزائر" لأبي مصعب السوري ضد أبي قتادة الفلسطيني، وغيرها كثير.
4 - الخوارج والغلاة وأهل التطرف، بجهلهم وقلة عقلهم، بيئة خصبة للاختراق من أعداء الإسلام قديماً وحديثاً. فرأينا كيف ساق ابنُ سبأ الجهلة الرعاع على الخليفة الراشد عثمان بن عفان الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، والذي من أجله بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بيعة الرضوان تحت الشجرة على قتال قريش وعدم الفرار حين أشيع أن قريشا قتلته، بعد أن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً عنه لدخول مكة لأداء العمرة، ونزلت في ذلك آية رضا الله عز وجل عن أصحاب البيعة من الصحابة رضوان الله عليهم: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" (الفتح، الآية 18).
وقد رسخ ابن سبأ مبدأ عمل الخوارج منذ تلك اللحظة ولليوم، وهو التشغيب على الحكام والسلطات، لأن هذا يعجب العامة ويستثير العواطف. فإذا كان صهر النبي صلى الله عليه وسلم وأحد المبشرين بالجنة يمكن خداع البسطاء بتثويرهم ضده من جاسوس كابن سبأ، فإن هذا في حق غيره أسهل وأيسر.
ونحن نشاهد في واقعنا اليوم كيف أن دعاة التطرف والإرهاب وفكر الخوارج يجدون بيئة حاضنة لهم في إيران! وفي عواصم الغرب الديمقراطية! وأصبحت حقائق اختراق أجهزة الاستخبارات العالمية لهذه الجماعات مكشوفة ومعروفة، وفيها مؤلفات عديدة، منها "القاعدة وأخواتها" لكميل الطويل، و"الإسلاميون والعسكر: سنوات الدم في الجزائر" لمحمد سمراوي.
5 - تكفير المسلمين ظلماً وعدواناً برغم التحذير الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم من التساهل في تكفير الناس، إذ قال صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافرُ، فقد باء به أحدهما" (رواه البخاري). وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّتْ عليه، إن لم يكُنْ صاحبه كذلك" (رواه البخاري).
لكن الخوارج الأولين والمعاصرين والمستقبليين يتوسعون في تكفير المسلمين. فقد كفّر الخوارج السابقون عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهما من المبشرين بالجنة؛ وكفّروا عدداً كبيراً من الصحابة والمسلمين أيضاً ظلماً وعدواناً بجهلهم وحمقهم.
والخوارج اليوم أيضاً يتوسعون ويتساهلون في التكفير، حتى لا يكاد يبقى مسلم عندهم سواهم. وبتأثير الجهل والحمق والاختراق الاستخباراتي، فإن كثيرا من جماعات الخوارج المعاصرة تكفر غالب العلماء المعاصرين، لأنهم لم يتبعوهم ويلتحقوا بهم، وردوا عليهم باطلهم. ولأن العلماء هم حائط الصد لضلالهم وكشف عوارهم، فقد بدأوا بتكفيرهم لتخلو لهم الساحة.
ومن أمثلة تلاعبهم وتساهلهم في التكفير، إصدار"داعش" بيانا رسميا بعنوان "يا قومنا أجيبوا داعي الله"، جاء فيه: "فاحذر فإنك بقتال الدولة الإسلامية تقع بالكفر، من حيث تدري أو لا تدري"، وهذا من التكفير الباطل ومن الحكم بغير ما أنزل الله، فلماذا يكون قتال "داعش" كفرا، بينما قتال "داعش" لغيره من جماعات الثوار ليس كفراً؟ ذلك أن "داعش" يرى نفسه المسلم فقط، وبقية الفصائل والجماعات كفار. كان هذا موقفه، وكان "داعش" قبل هذا البيان بأشهر أنكر أنه يكفر من يقاتله، فقال في بيان بعنوان "ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين": "اللهم إنّ أبا عبدالله الشام يزعم.. أن الدولة ترى كل مَن قاتلها قد صار محارباً للإسلام خارجاً عن الملة، وأنها تكفّر باللوازم والمتشابهات والاحتمالات والمآلات". ثم قال نافياً ومتبرئاً: "اللهم إنّي أُشهدك أنّ ما ذكرته آنفاً كذبٌ وافتراء على الدولة، وأنه ليس من منهجها ولاتعتقد به، ولاتتقصّد فعله، بل وتُنكِر على مَن يفعله. اللهم مَن كان منّا كاذباً فاجعل عليه لعنتك وأرِنا فيه آيةً واجعله عبرة؛ اللهم مَن كان منّا كاذباً فاجعل عليه لعنتك وأرِنا فيه آيةً واجعله عبرة؛ اللهم مَن كان منّا كاذباً فاجعل عليه لعنتك وأرِنا فيه آيةً واجعله عبرة". وفعلاً، أرانا الله عز وجل في العدناني عبرةً وآية.
وتكفير عموم المسلمين هو قمة الغلو الذي تصل له جماعات الخوارج والغلو والتطرف في عصرنا الحالي. وقد قال تنظيم "داعش" في إصداره بعنوان "رسالة إلى تركيا"، مكفراً أهلها ومحرضاً لهم على حكومتهم: "ولكن قبل ذلك لا بد أن تتوبوا... حتى يكون قتالكم ضد هؤلاء الصليبيين والملحدين والطواغيت الخائنين جهاداً مباركاً في سبيل الله، وقتلاكم شهداء عند الله، وحتى لا يكون قتالكم قتال جاهلية ملعوناً، وقتلاكم في النار مع قتلى الملحدين والصليبيين"!
فماذا يبقى للإسلام إذا كانت كل الشعوب المسلمة مرتدة وكافرة؟! وعلماء الإسلام كفارا؟! والثوار والمجاهدون من غير الخوارج والغلاة كفارا؟! هل يحلم الشيطان وأعداء الإسلام بشيء أكثر من هذا في تحطيم أمة الإسلام؟!
وللحديث بقية.
الغد - أسامة شحادة
الكاتب