د. محمد المجالي
حين كرم الله الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وجعله في الأرض خليفة، وخلقه في أحسن تقويم، وحمّله أمانة أبت السماوات والأرض والجبال أن تحملها وأشفقت منها، وطلب منه عبادته وهو غني عنا سبحانه، إنسان بهذا التكريم ينبغي أن يحصل على إنسانيته وحريته وحقوقه، ولا يجوز لكائن أو فكر أو نظام أن يحجر عليه أو يقزّم من حقوقه أو يمتن عليه بها، حتى لو كان ذلك باسم الدين، فنزعة الإنسان الداخلية بالفطرة أن يتوجه إلى الله، وقد تتشوّه هذه الفطرة لأسباب كثيرة، ولكن لا ننسى أيضا أن الإنسان بفطرته يحب أن يكون حرا مكرمّا، ووسيلة الدين الحق هي إنارة عقله وهداية قلبه، وهو بعد ذلك حر في توجهه، وقد قالها الله تعالى صريحة: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ”، والإكراه هنا تعدى بـ (في) وليس بـ (على)، ليقول الله تعالى لنا بأن مبدأ الإكراه كله منفي في ديننا، ولا يجوز لأحد أن يمارسه على أحد، حتى لو كان في شأن الدين، والإنسان بعد ذلك مسؤول عن عمله واعتقاده، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
ومن مظاهر تكريم الإنسان العدل، وليس غريبا أن يبدأ الله تعالى به حين عرض أوامره: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون”، فالعدل قيمة عالية تبعث على الاستقرار النفسي والأسري والمجتمعي، وتشعر الإنسان بمسؤوليته، فيستقيم أمره، وتستقر مشاعره، وربما قاده هذا إلى الإبداع في دنياه ودينه.
ولأن العدل مقصد رئيس في الحياة عموما، وهو داعم رئيس لكرامة الإنسان، فقد رتب الله عليه استقرار المجتمعات المطبّقة له، بل قد يغدق عليها من نعمه حتى لو كان هناك خلل في العقيدة، وليس من فراغ ما قيل إن الله يؤيد الدولة العادلة لو كانت كافرة، ولا يؤيد الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، والإسلام هنا شكلي وليس حقيقة، لأن الإسلام الحقيقي المطبَّق هو عين العدل الذي أمر الله به، وهو التكريم الحقيقي للإنسان، لأنه يشعر بهذه المبادئ أن له قيمة ووزنا في الحياة، فليس عالة على المجتمع أو على نفسه، بل مسهِمٌ إسهاما فعالا في نهضة أمته.
إن أبشع صور الظلم هي تلك التي ربما تمارَس باسم الدين، وهذا الذي يقود إلى القهر وحب الانتقام، وقد مارس الدين كثيرا من مظاهر الظلم والاستعباد، وما طغاة العالم قديما وعلى رأسهم فرعون إلا وقد استخدموا الدين ومصطلحاته ليخضعوا البشر لعبادتهم، وإن قالها فرعون: “ما علمت لكم من إله غيري”، فإن غيره قالوها ويقولونها بأساليب غير مباشرة.
حين فتح المسلمون حمص وما حولها، شكا أهلها مرّ عيشهم في ظل القياصرة، وبين ذلك الوقت وما عُرِف بالثورة الفرنسية أشكال كثيرة من هذا الظلم، قاد الناس إلى ثورة لأن الدين في نظرهم قد سلبهم حريتهم وحقوقهم، وهذا من أقبح أنواع الظلم حين يمارَس باسم الدين.
والأمر نفسه ينطبق على المسلمين حين يُساء التصرّف ويُذل الإنسان، فقهره سيقوده –لا محالة- يوما ما إلى الانتقام والثورة، وهذا ما شاهدناه في الثورات على مر الزمن، ومنه في وقتنا الحاضر، وما نشهده في العراق ولبنان وإيران تحديدا أمر لا نغفله أنه ثورة أبناء المذهب الواحد ضد الظلم، وكذلك في بعض الدول حين قُيِّدت حرية الناس باسم الدين فانقلبوا كارهين له، لأن النفس السوية لا تقبل الظلم والإهانة وسلب الحرية، وإن سكنت النفس وسكتت فترة فلا يعني ذلك الخضوع، فلا بد من لحظة الثورة على الظلم، كائنا من كان مُمارِسه.
العدل قيمة إنسانية عليا ينظم الحقوق والواجبات، ولا يطغى في ظله أحد على آخر، وحين يؤسس الإسلام لفكرة العدل والمساواة ينسف في المقابل كل أنواع المحاباة والميل إلى الهوى، فلا حجة لأحد لا على حاكم أو مجتمع، ولا على الله سبحانه، فالمسؤولية على الجميع أن يبادروا نحو ما يصلح حالهم ومآلهم، في الدنيا والآخرة.
“ولقد كرّمنا بني آدم”