أ. د. محمد خازر المجالي
يا له من دين عظيم يراعي خلجات النفس، ويهذب السلوك، ويرتقي بالإنسان إلى أعلى درجات الانضباط! فهو استسلام لله تعالى وأمره وشرعه، يتخلى فيه الإنسان عن الهوى وتعظيم الذات، أو أن يكون المحرّك لحياته نزوات النفس أو المصالح الآنية. فالإسلام يربي الإنسان على أن يكون عيشه لله وفي الله ومع الله. لله غاية؛ فمقصده هو إرضاء الله تعالى:
"قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام، الآيتان 162 و163). وفي الله في ظل منهجه وشرعه، وهو المنهج الذي اختاره سبحانه ورضيه لنا. ومع الله باستشعار هذه المعية والمراقبة، أن تعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
تأتي الآية بهذا الأسلوب لتقول إنْ لا أحد أحسن من ذاك الذي أسلم وجهه لله، وحاله أنه محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا. وجاءت روايات في سبب النزول لا تؤثر في المعنى الذي ينبغي أن نفهمه ونعيه ليكون منهج حياتنا. فيقال إنه اختصم أهل الكتاب والمسلمون من هو الأفضل عند الله، فجاءت الآية فاصلة في أن لا يفتخر أحدنا بالعنوان والشعار، ومن باب أوْلى أن لا يفتخر بالجاه والنسب وأي شيء من متاع الدنيا، بل بعلاقته بالله سبحانه، وقربه منه، وعمله الصالح. فالله يخبر صراحة أن المطلوب من العبد أن يسلم وجهه لله خضوعا وانقيادا، وهذه هي العبودية الحقيقية لله تعالى. وذكر الوجه هنا لأنه أشرف ما في الإنسان، فيخضع نفسه لله فيما أمر ونهى. ومع هذا الاستسلام له سبحانه فهو محسن، فحاله هي المراقبة التامة لله تعالى، يستشعر معيته في شأنه كله. ومن كانت هذا حاله لا يمكن أن يتعمد اقتراف ما لا يحبه الله تعالى.
أما اتّباع ملة إبراهيم الحنيف هنا، فللسياق ولإقامة الحجة. والحنيف هو المائل عن عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده سبحانه، وهو تعريض بكل من أشرك بالله تعالى بأي نوع من أنواع الشرك، وزعم أنه على ملة إبراهيم. فإبراهيم كان حنيفا مسلما لله، وأوْلى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه في توحيده لله تعالى. ونلحظ كلمة "واتبع"، فلا نكتفي بالشعارات والتنظير، بل لا بد من العمل والاتباع.
ويهمني من الآية عدة أمور، منها أهمية الانقياد التام لدين الله تعالى، فلا يتنطع أحدنا ولا يتشدد، وفي المقابل لا يتهاون ولا يتهرّب، فروعة هذا الدين في الولوج فيه برفق وأناة، مع اعتقاد أن ما شرعه الله تعالى هو خير، علمنا ذلك أم لم نعلم. ولا يمنع هذا من البحث عن حِكم التشريع، ولكن لا نبالغ فينعكس هذا سلبا، خاصة عند أعداء لا يريدون لهذا الدين وأتباعه أي خير أبدا. وفي هذا السياق نتذكر قول الله تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..." (الأحزاب، الآية 36)، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..." (الحجرات، الآية 1)، أي لا تقدموا رأيا إن كان الله تعالى قد شرع هذا الشيء، بل المطلوب استسلام وخضوع وعمل.
ومن هذا الخضوع أن لا يحركني في شأني الحياتي إلا ما هو من شرع الله، أو منسجم مع مراد الله وشرعه. حتى أمور الدنيا فهي منضبطة في دائرة المصالح العامة، حيث حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، فلا اعتداء ولا انحياز لشخص أو عشيرة أو مصلحة، ولا بحث عن حظوظ النفس، فالمؤمن مستشعر آخرته ووقوفه بين يدي الله تعالى والحساب، وسيأتي اللهَ فردا: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (مريم، الآية 95).
لا يمكن للعاقل أن يظلم أو يعتدي أو ينحاز إلى ظالمين وقتلة، لسبب بسيط أنه مبعوث من قبره، محاسَب أمام الله تعالى. وأقول هنا "العاقل"، لأن العقل ينبغي أن يقود صاحبه إلى الجادة، وإلى الحقيقة لا السراب ولا العواطف ونزوات النفس ومطالبها وتحكّمها بصاحبها.
ولا يمكن لعاقل ولو بلغ في الالتزام الديني ما بلغ، أن يتصرف وفق هواه ويتجاوز حد الشرع فيعتدي، بقتل أو إيذاء، أو يقترف من الآثام، وينسى في حينها أن نبيه صلى الله عليه وسلم قد بيّن بصريح العبارة أن دماءنا وأعراضنا وأموالنا علينا حرام، وأن هناك حقوقا وواجبات، وأن هناك عقوبات موكولة إلى ولي الأمر ومن يمثله، لا يجوز الاعتداء عليها.
ينقصنا في زمننا هذا الوعي وفهم الأولويات وفقه الموازنات، ففي ديننا هناك كبير وأكبر، ومهم وأهم، وصغير وأصغر؛ هناك أصول وفروع، وفرائض وواجبات ومندوبات، مكروه وحرام، أعمال تعود بنفع شخصي وأخرى بنفع على المجتمع، وكذا المخاطر، فلا بد من عقلية مستنيرة، ولا بد من تقدير للأمور وموافقة الكلام لمقتضى الحال، وأن نحدّث الناسَ بما يعرفون، حتى لا يقودهم هذا إلى تكذيب الله ورسوله.
يحاول بعض أعداء هذا الدين والملتزمين به أن يثيروا شبهات حوله، حول صلاحيته وجدارته بأن يدير شؤون الحياة، ويخلطون الأوراق بالمقارنة الظالمة في حال المسلمين اليوم مقارنة بحال غيرهم ممن قدموا للحضارة واستقرت بهم الحياة في رخاء وتقدم. والمقارنة ظالمة، لأنهم يحاولون إثبات أن ما بنا من تخلف وقتل هو بسبب ديننا، ونسي هؤلاء أن الجرائم عالمية منتشرة في كل الأديان والدول، وأن مصيبتنا في حقيقتها في عدم نشر مبادئ الإسلام الصحيحة، الأمر الذي دفع بعض الأشخاص بأن يدّعوا مشروعية تطبيقه، حتى الأمور المنوطة بولي الأمر ومن يمثله من مؤسسات، فكانت الفوضى التي لا نحب، لا لديننا ولا للمسلمين الذين عادة ما يُحرجون من تصرفات بعضهم.
إنه تسليم الأمر لله، والإحسان، والاتباع الصحيح للمنهج. ولو كنا كذلك وتجردت نفوسنا من كل شيء إلا أمر الله، لكانت الحال غير هذا.
"ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا"