يجمع علماء الاقتصاد قبل علماء الاجتماع والسياسة على التأكيد على حقيقة لا يمكن انكارها وهي ان الاغنياء في العالم يزدادون غنى ، وان الفقراء يزدادون فقرا ، ولا تستثني هذه القاعدة الدول المتقدمة والصناعية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية اسوة بكل المجتمعات العالمية حيث تتسع رقعة الفقر عاما بعد عام وتزداد المعاناة وتعمق الاختلالات الاجتماعية..الخ.
في الشهر الماضي اصدرت مجلة «فوربيس» المتخصصة تصنيفا سنويا للثراء في العالم حيث تجاوز عدد المليارديرية في العالم الف ملياردير لاول مرة هذا العام وقد كان في العام الماضي «946» ووصل هذا العام الى «1125» ، ولا يشمل هذا التصنيف عشرات من الحكام والمسؤولين حول العالم تظل ثرواتهم سرية ، وهؤلاء يتمتعون بحماية مضمونة من قبل سلطة الحكم والقرار الامريكي كما تقول الجريدة النزيهة «كرستيان ساينس مونتور» التي لاحظت ان السياسة الامريكية تعتمد على فساد هؤلاء الحكام كضمانة لرضوخهم لها ، وتضرب امثالا على ذلك بنهب سوهارتو لاندونيسيا وغيره من قادة افريقيا الذين تحتضنهم امريكا.
على كل حال ليس موضوعنا اليوم الثروات الخفية والفساد السياسي لان ما هو معلن حسب قائمة الثراء لهذا العام يستحق التأمل حيث يلفت الانتباه تمركز الثروة في ايدي اشخاص في بلدان فقيرة بشكل مرعب وابرز مثال على ذلك الهند فهنالك اربعة اثرياء هم من بين اول عشرة اثرياء في العالم هم من الهند وهم من «لاكشامي ميتال الرابع 45 مليار دولار» و«موكش امباني الخامس 43 مليار دولار» و«دانيل امباني السادس 42 مليار دولار» و «كي.بي سونغ الثامن 30 مليار».
اما ثاني اغنى اغنياء العالم فهو عربي من المكسيك هذا البلد الذي تعتبر فيه نسبة الفقر من اعلى النسب في العالم ، وبما يقارب الهند وبلدان القارة الافريقية حيث يمتلك كارلوس سليم الحلو المكسيكي من اصل لبناني عربي ثروة تقدر بـ 60« مليار دولار»
الموضوع هذا الذي نتحدث عنه اليوم قد تكون فيه اثارة وطرافة كما يقول تقرير بثته المحطة الشهيرة «C.N.N» ونقلته وكالات الانباء والصحف عن اشكال جديدة للمجاعات والفقر والمعاناة والعذابات الانسانية حول العالم ابتداء من الكارثة الغذائية والدوائية التي تعصف بافريقيا والتي تزداد قسوة عاما بعد عام.
ونقول ابتداء من افريقيا لان سوء الاوضاع المعيشية والنقص الحاد في احتياجات البشر الاساسية وكل اشكال العذابات التي تنهك مليارات البشر اصبحت عامة والوجه الاخر لها هو ازدياد في ارقام الثروة في البنوك لبضع مئات من المليارديرية وبضع الاف من المليونيرية.
وتقول دراسة نشرت في العام الماضي ان اثرى 300 ملياردير في العالم يملكون اكثر مما يملكه افقر 2 مليار من سكان هذا الكوكب ، وقد يكون الاستنتاج الذي توصلت اليه احدى الصحف صحيحا بان الـ 1125 مليارديرا الاغنى في العالم لهذا العام الذين نشرت «فوربيس» قائمة باسمائهم وثرواتهم يمتلكون اكثر من 3 مليارات من الافقر في العالم.. هذا عن المعادلة الكونية اما في اطار البلدان والمجتمعات وداخل الحدود الوطنية نفسها فان شخصا واحدا قد يمتلك اكثر مما يمتلك سكان مدينة وأن 1% قد يمتلكون اكثر مما يمتلك %99 مثلا وقد تكون هنالك مبالغة فيما يرد ويتردد في الصحف المصرية عن هؤلاء الـ 1% لكن الى ما قبل عشر سنوات كانت على سبيل المثال هنالك دراسات في مصر تقول ان 5% من اثرى اثرياء مصر يمتلكون اكثر مما يمتلك %95 من بقية الشعب ، وبالتأكيد هنالك ما يبعث على الاعتقاد بان النسبة اختلت اكثر ولكنها قد لا تكون وصلت الى 1% مقابل 99%.. اما اذا استمرت الاحوال على ما هي عليه في كل مكان فان تمركز الثروة بيد شريحة عليا وعدد قليل قد يوصلها في كل مكان الى نسب قد لا تخطر على البال.
وبالتأكيد فان ما اوردته في هذا المقال معروف لديكم وخطورته مدركة على مستقبل الحياة والمجتمعات ، وما قصدته من التأمل بتعميق الرأسمالية المتوحشة للعذابات الانسانية هو ان اسأل عن حقيقة الارهاب ، وهل الحروب واحتلال الاوطان واستعباد الشعوب والهيمنة على مقدراتها في سبيل المصالح الامبراطورية هو ذروة الارهاب ام ماذا..!!
ويتصل بذلك موضوع هذا المقال فما هو الارهاب اذا كان مصاصو الدماء والمستغلون لا يمارسون الارهاب عندما تتمتع حفنة من الافراد على حساب ملايين البشر او حتى مليارات البشر،، انه الارهاب الذي لا يقتل افراد بل يقتل ملايين ومليارات.. هذا هو الارهاب حقا الا اذا انتفت نهائيا من هذا العالم روح العدل!!
راكان المجالي
عن جريدة الدستور الأردنية 6/4/2008م
وجوه أخرى للارهاب!! -