هل إقامة الإسلام على أصوله توجب هدم المجتمع ؟

هل إقامة الإسلام على أصوله توجب هدم المجتمع من أساسه وتغيير جميع أحواله ؟ يظن  البعض أن إقامة شريعة الإسلام تعني نقض المجتمع القديم من أساسه بجميع قيمه وأخلاقه ، ومنجزاته وتراثه ، وأفكاره وعاداته ،  وتغيير كل أحواله اجتماعيا وأسريا واقتصاديا وسياسيا ،  وإبطال كل ما له صلة بالمجتمع القديم ثقافيا وحضاريا وتشريعيا ، ثم إعادة بناء المجتمع من جديد على قيم الإسلام وأحكامه  بعد أن تتم عملية الهدم الكامل لمخلفات وآثار المجتمع الأول . غير أن هذه الفكرة الرائجة عند بعض الغيورين والمحبين للإسلام  غير صحيحة ولا دقيقة  ،  بل هي فكرة تتناقض مع منهج الإسلام في أحكامه التي شرعها  ، وقيمه التي أرساها  ، وأسسه التي بينها  للناس ، وقد بين  الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هذا المعنى وأظهر  أن التشريع الإسلامي ليس مجرد تغيير للأحوال الفاسدة  في  المجتمع ، وإنما هو أيضا تقرير للأحوال إذا كانت أحوالا صالحة تحقق مصالح الناس ومنافعهم ، وتيسر  عليهم في حياتهم  ، وترفع عنهم الحرج والضيق ، حيث قال  رحمه الله :”والتحقيق أن للتشريع مقامين : المقام الأول :تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها ، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى :{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)  }[البقرة -257] والمقام الثاني :تقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس ،وهي الأحوال المعبَّر عنها بالمعروف في قوله تعالى :{ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ }[الأعراف -157] . وهذا ما ينبغي أن يستفيد منه  المصلحون والدعاة  اليوم  في تعاملهم  مع قضايا الناس المختلفة ؛ إذ ليست كل أحوال الناس- إن على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات و الدول - تحتاج إلى هدم وإعادة بناء من جديد ، لأن  كثيرا منها هي أحوال صالحة ينبغي الإفادة منها والبناء عليها واستثمارها والتأكيد عليها . وإن إصلاح المجتمعات عن طريق التقدم بها نحو قيَم الإسلام وأصوله وأحكامه ، لا تستدعي من الدعاة والمصلحين تغييرَ جميع أحوال الشعوب وعاداتهم ، ونقضها من أساسها ثم إعادة بنائها من جديد  ، وإنما تستدعي تغيير الفاسد منها فقط إن في مجال العقيدة أو العبادة أو التشريع ، أما  الصالح  فإنه يقرّ و يبقى على حاله .ولقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله  :”  شهدت حلف بني هاشم ،وزهرة ،وتيم ،فما يسرني أني نقضته ولي حمر النَّعم ، ولو دعيت به اليوم لأجبت :على أن نأمر بالمعروف ،وننهى عن المنكر ،ونأخذ للمظلوم من الظالم . “ فهذا الحلف الذي شهده الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ،وهو حلف الفضول ، قد أقره بعد البعثة  ؛ وذلك لما تضمنه من القيم الصالحة التي يدعو إليها : من حماية للمظلومين ، والأخذ على أيدي الظلمة ، ورد الحقوق لأصحابها .   وقد أكد الإمام  الشاطبي  إلى هذا المعنى بقوله :” واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس ،وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن الشيم ، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه ، وأبطلت ما هو باطل ،وبينت منافع ما ينفع من ذلك ،ومضار ما يضر منه” وإن التغيير والتقرير ليس خاصا بأحوال العرب وحدهم ، وإنما هو شامل لأحوال البشر جميعا سواء كانوا من العرب أو من غيرهم ؛ ذلك أن الرسالة الإسلامية رسالة  عامة لجميع الناس ، فما كان صالحا من أحوالهم أقرته ، وما كان فاسدا غيَّرته ، قال ابن عاشور :”وليس مرادنا بالتغيير تغيير أحوال العرب خاصة ، ولا بالتقرير تقرير أحوالهم كذلك ، بل مرادنا تغيير أحوال البشر وتقريرها ،سواء كانوا العرب أم غيرهم . وذلك أن جماعات البشر كانوا غير خالين من أحوال صالحة هي بقايا الشرائع أو النصائح أو اتفاق العقول السليمة .فقد كان العرب على بقية من الحنيفية ، وكانت اليهود على بقية من شريعة عظيمة ، وكانت النصارى على بقية منها ومن تعاليم المسيح عليه السلام . وكان مجموع البشر على بقية من مجموع الشرائع الصالحة نحو شرائع المصريين واليونان والروم ، وعلى اتباع ما دلَّت عليه الفطرة السليمة مثل عدّ قتل النفس جريمة .” وإن تغيير الأحوال الفاسدة إلى ما فيه صلاح الناس ورشدهم قد يكون تغييراً إلى ما فيه الشدة عليهم إذا كانت مصلحتهم تقتضي هذا التشديد ؛ كما في تحريم الخمر والربا والقمار وغيرها من المفاسد الأخرى التي كانوا يسترسلون فيها ويعدونها أعمالا عادية مشروعة . وقد يكون في التغيير تخفيف عنهم ، وذلك بإبطال غلوهم في تحريم ومنع بعض الأعمال المشروعة ؛ كما في إبطال بعض العادات الجاهلية مثل السائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، والوصيلة وهي الناقة  البكر التي تبكر في أول نتاج الإبل ، ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر . ونستطيع أن نرصد العديد من الأحكام التي تتجلى فيها هذه القاعدة العظيمة منها مثلا : 1.    في مجال المعاملات المالية أقرت الشريعة الكثير من العقود التي يتعامل بها الناس ومن شأنها تحقيق مصالحهم ؛كعقد البيع والإجارة والشركة والرهن والقرض والمضاربة ، وأبطلت العديد من المعاملات الأخرى التي كانت سائدة آنذاك ؛كالربا والقمار وبيع النجش وبيع الغرر وبيع الملامسة وبيع الحاضر للبادي نظرا لما فيها من المفاسد الكثيرة . كما غيَّرت الشريعة ما كان مستقرّا في معاملات الناس من أن المدين إذا عجز عن أداء دينه الذي  عليه فإن للدائن أن يسترقه ، وأمرت بإنظار المعسر إلى حين ميسرة ، قال تعالى :{ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }[البقرة -280 ] 2.    عرف الناس قبل الإسلام أنواعاً من النكاح ، منها النكاح الصحيح الذي  يخطب فيه الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ، وقد أقرت الشريعة هذا النوع من النكاح ، ومنها أنكحة فاسدة ألغتها الشريعة نظرا لمفاسدها الأخلاقية والأسرية والاجتماعية ؛ كنكاح الشغار :وهو أن يزوج الرجل ابنته أو من تحت ولايته لآخر على أن يزوجه الآخر ابنته أو من تحت ولايته  وليس بينهما صداق ، ونكاح المقت :وهو زواج الابن امرأة أبيه بعد وفاته إن لم تكن أمه ، ونكاح الاستبضاع : بأن يطلب  الرجل من امرأته إذا طهرت من طمثها أن تجامع رجلا غيره ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد . 3.    أقرت الشريعة مبدأ تعدد الزوجات مع تقييده بالعدل والعدد والقدرة ؛بحيث لا يؤدي إلى ظلم أي من الزوجات وتضييع حقوقهن ، وأن لا يزيد على أربع نساء ؛ وأن يكون الرجل قادرا ماديا وبدنيا على ذلك ؛ وذلك حتى  تكفل تحقيق مصلحة الفرد والأسرة والمجتمع ؛ وقد كان الأمر فيه قبل الإسلام مطلقاً ليس له قيد ولا شرط ولا حد ،  قال تعالى :{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } [النساء -3 ] 4.    مبدأ الفرقة بين الزوجين أقره الإسلام مع تهذيبه وتنقيته مما كان من أفعال الجاهلية وعاداتها الفاسدة ، حيث كان طلاق الرجل لزوجه بلا حدّ ولا قيد ، فجعلت الشريعة هذا الحق مقيدا بثلاث تطليقات ، وميزت في أحكام الطلاق بين أن يكون رجعيا أو بائنا بينونة صغرى أو بائنا بينونة كبرى ،قال تعالى :{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[البقرة 229-230] 5.    في مجال العقوبات أقرّت الشريعة عقوبة القصاص على الجاني ، وألغت ما كان يقترن بهذه العقوبة من مفاسد الجاهلية كالتمثيل بالقاتل ، أو الثأر من أهل القتيل الذين لا مسؤولية لهم عن الجناية ، قال تعالى :{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء - 33 ] قال ابن كثير  معناه فلا يسرف الولي في القتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. 6.    في مجال البيِّنات كان من عوائد العرب قبل الإسلام ، أن يقيم المدعي البينة على صحة دعواه فإن لم يتمكن فله أن يحلِّف المدعى عليه ، وقد أقر الإسلام هذا المبدأ وقرر القاعدة المعروفة “البينة على المدعي واليمين على المنكر “ المصدر:جريدة الدستور

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.