نماذج من الفكر الوسطي

 الوسطية تعني الوقوف بين طرفيْن، في المكان، أو الزمان، أو الصفات، أو الأفعال ... والتطرف هو الوقوف عند أحد الطرفيْن، إذَا الوسطية تعني التوازن والاعتدال، وسأضرب نماذج من الفكر الوسطي العملي الحياتي كأمثلة وليس للحصر:   المثال الأول: في العبادة، فقد سأل بعض الصحابة عن عبادة الرسول عليه السلام، فكأنهم وجدوها قليلة، فقال بعضهم : سيصوم الدهر، وآخر: سيصلي ليلًا ونهارً، والثالث: لا أتزوج النساء، فلما سمع النبي عليه السلام هذا المنهج غير الواقعيّ، والذي يسبّب شللًا في الحياة الاقتصادية، والمعاشيّة، والقوى البشرية (النسْل) قال : « أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فقد رغب عني «(صحيح الجامع،الألباني ،1336) .   المثال الثاني : في مجال الإنفاق والاقتصاد، فالقرآن يقول :» ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسْط فتقعد ملومًا محسورًا «(الإسراء ،29)، أي لا تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الخير، ولا تسرف في الإنفاق فتقعد ملومًا، يلومك الناس ويذمّوك نادمًا على تبذيرك وضياع مالك، وفي هذا المعنى : « والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا «(الفرقان، 67) بمعنى لم يتجاوزوا الحد في العطاء، ولم يضيّقوا في النفقة، وكان إنفاقهم وسطًا بين التبذير والتضييق، وهذا المنهج للفرد وللجماعة وللدولة .   المثال الثالث : في التحليل والتحريم : فقد بالغت اليهودية في التحريم، وأصبح الدين قائمة محرمّات، وأسرفت النصرانية في الإباحة، فجاء الإسلام وسطًا بين هذا وذاك وشرّع الفقهاء قاعدة تقول : ( الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد التحريم )، إضافة إلى ما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤْكم..)( الطبري،109/1/5) وفوق كل ذلك جاءت الآية الكريمة لتقول :» يحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث « (الأعراف ، 157) .   المثال الرابع : في شؤون الأسرة: جاء التشريع الإسلامي وسطًا بين الذين أباحوا التعدد دون قيْد أو شرط وبين الرافضين لذلك، فقد شرع الزواج والتعدد مع القدرة على الإنفاق والعدل، ولكن عند الخوف في العدل و... « فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة «(النساء،3)، وفي موضوع الطلاق كان الإسلام وسطًا بين المانعين وبين المبيحين بدون ضوابط، فقد أَباحَ الإسلامُ الطلاقَ عند استنفاذ وفشل كافة وسائل العلاج، وآخر الدواء الكيّ. المثال الخامس : الفرد والجماعة : فالتشريع الإسلامي وسط بين من يبالغون في حقوق المجتمع على حساب الفرد ( الماركسيين )، وبين الذين يعطون الفرد الحرية المفرطة ( الرأسماليين )، فهو لا يلغي شخصية الفرد وميوله وتطلعاته، وأشواقه الفطرية، ولكن لا يجعله فردًا جشعًا لا همّ له إلا ذاته ومصلحته، بل يؤكد التشريع الإسلامي على أن يكون الفرد خادمًا للجماعة، والجماعة كافلةً لحق الفرد « فأعطي كل ذي حق حقه «(البخاري، 1968) . الرأي: 6/3/2012    

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.