قابلت عدداً من المصريـين في مدينة الرياض وخارجها ، وتعجبت من تأييد بعضهم للانقلابيين ، وكنت أحسب أنه لا أحد يخفى عليه أمرهم ، ولا يتردد في تجريمهم خاصة بعد مجازرهم ، فقلت كيف بحال المصريين في مصر الذين هم تحت التأثير المباشر للانقلابيين ؟
هذه الحالة العجيبة تدعو إلى تذكير إخواننا المصريين المضطهدين بواجبهم الشرعي تجاه إخوانهم المغرر بهم ؛ حتى لا يدفعهم القهر الذي ذاقوه ، والألم الذي تجرعوه إلى استعداء إخوانهم والغلظة عليهم ، فيزداد أعداؤهم بينما هم في أشد الحاجة إلى تكثير سوادهم وإضعاف خصمهم .
ولذا فلعل من المناسب التذكير بأربعة أمور :
الأول : ضرورة إعذار إخواننا المضطهدين لإخوانهم المغرر بهم ؛ وذلك بأن يتذكروا أن الله تعالى قد وصف مكر أعدائه بقوله : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) فإذا كانت الجبال الصِّلاب تزول من مكر الأعداء فكيف بحال القلوب التي هي مضغة ضعيفة ؟
كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ( من البيان لسحرا ) سواء كان في حق أو في باطل ، وقد وُصِف البيانُ بالسحر لأن السحر يجعل المتأثر به يتخيل ويتصور الأشياء على غير حقيقتها . ومن نظر إلى حجم وقوة الآلة الإعلامية التي يملكها الانقلابيون ومن يؤيدهم عَلِم سبب تأييد بعض البسطاء للانقلابيين .
فإذا صعب على إخواننا المصريين المضطهدين إعذار إخوانهم ، فليتذكروا أجر العافين عن الناس فيعفوا عنهم ، ولا يغيب عنهم فعل حبيبهم وقدوتهم صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة مع أعدائه الذين أخرجوه وحاربوه وقتلوا أصحابه ، فقال لهم : (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .
ثانياً : رحمة المسلم بأخيه من أهم صفات عباد الله المتقين ، كما قال الله تعالى في وصف الصحابة رضوان الله عليهم ( رحماء بينهم ) والرحمة تقتضي تجاوز المسلم عن أخطاء أخيه.
وقال تعالى عن عباده المؤمنين : ( أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ) قال ابن عباس : هم للمؤمنين كالوالد للولد ، والسيد للعبد . وقال ابن كثير : هذه صفات المؤمنين الكُمَّل . فلا يحرم مسلمٌ نفسَه من هذا الخلق العظيم .
ثالثاً : المصريون أحوج ما يكونوا الآن إلى تقوية شوكتهم ، وجمع كلمتهم ، وتكثير سوادهم . وأكثر ما يمنع ذلك هو التنازع فيما بينهم . ومما يدل على ذلك أن الله تعالى لـمّا أمر المؤمنين – في حال الحرب – بالثبات وذِكره تعالى وطاعته وطاعة رسوله ، نهاهم سبحانه بعد ذلك عن التنازع فقال : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) ثم قال : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) والدعوة للصبر هاهنا ليس في وقت الحرب فحسب بل أيضاً الصبر على دوافع النفس وحظوظها ، والصبر على كظم الغيظ ، والصبر على مشقة العفو ، والصبر على مخالفة إخوانك للحق الذي تراه . قال القرطبي عند هذه الآية : أمر (سبحانه) بالصبر وهو محمود في كل المواطن .
رابعاً : أهمية معرفة الشُبَه التي لدى المغرر بهم ، ومناقشتهم فيها بالحجج النقلية والواقعية والعقلية
الكاتب