من خصائص الشريعة .. التوازن الحاني

  تمزقت الإنسانية طويلاً بين جذب ذات اليمين وذات اليسار في إفراط أو تفريط، في عقائدها وسلوكها ونظمها، حتى غدا التوازن مطلباً عزيزاً تنشده لتجد الطمأنينة، والسكينة بعد طول القلق والإضطراب، وفي المجال السياسي كان التوازن الدستوري كذلك مطلباً عزيزاً تنشده الأنظمة الحائرة بحثاً عن الأمن والاستقرار، واستقر بها الأمر على وسائل حاولت بها تحقيق ذلك التوازن، لكن بقيت تلك الوسائل المادية البشرية قاصرة عن تحقيق التوازن الحاني المنشود.    وباستقراء شريعة الله عز وجل وفي ظلها يتحقق التوازن أولاً داخل النفس، ومن ثم داخل النظام العام، يتحقق التوازن والاستجابة لأوامر الله التي تلبي مطالب الروح والجسد، تدفع الغلو والإفراط ولا تقبل التسيب والتفريط بحال، وتوازن بعد ذلك بين الحقوق المختلفة ليكون لكل ذي حق حقه، ففي دفع الغلو والإفراط نسمع قول الله تعالى: «لا تغلوا في دينكم»، وتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لأولئك الذين قالوا: نصلي ولا ننام، نصوم ولا نفطر، نعتزل النساء فلا نتزوج، «أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».. ونقرأ توجيه الرسول الكريم إلى الصحابي الجليل حنظلة رضي الله عنه الذي رغب أن يبقى على ذلك المستوى الروحي الرفيع الذي يحسه حين يكون إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وطرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة».    وفي دفع التسيب والتفريط قوله عز وجل:«فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها»، وقوله تعالى: «فاستمسك بالذي أُوحي إليك»، ثم رؤية الرسول الأمين بعيدة الأفق في قوله «من أخاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله الجنة»، وبين هذا وذاك، وسط أمثل، وصراط مستقيم، يندب إليه المسلم ويحقق فيه إشراق الروح وضرورات الجسد، ويتوازن فيه بين حقوق الله وحقوق العباد، استجابة لقوله عز وجل: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً»، وبذا يتحقق التوازن الحاني المسؤول داخل النفس، وفي داخل النظام العام الذي يحافظ على الشرع والشرعية، وفي جمال التكليف ترتفع الرخص، دافعة عن المسلمين الحرج، دافعة إلى التيسير، لتكون القاعدة الأساسية التي تحكم سائر الأفعال «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، والخروج عن اليسر والتسامح خروج عن الشرعية على قدر ذلك الخروج، وأخيراً يتجلى التوازن الحاني من خلال الخطاب الآلهي الحاني، وهو ينادي المؤمنين النداء الندي: «سلام عليكم كتب على نفسه الرحمة». جريدة الرأي: 13/04/2012

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.