استعرضنا في مقال سابق، بعض أسباب إخفاق محاربة العنف التكفيري، ومن بين الأسباب التي أشرنا إليها، ونعتقد أنه سبب جوهري من أسباب إخفاق الحرب على العنف التكفيري حتى الآن. هو تغول الاهتمام بالخطر السياسي للعنف التكفيري على حساب الاهتمام بمخاطره الأخرى، وأهمها الخطر الاجتماعي للعنف التكفيري. وهو عندي أشد فتكا في الأمة وبنيانها من الخطر السياسي لهذا العنف. بل إنني أعتقد أن الفكر التكفيري هو إفراز من إفرازات الفكر الاجتماعي المختل الذي ساد في منطقتنا لعقود، أفرز خلالها من بين ما أفرز من اختلالات هذا الميل إلى التطرف والتعصب والإنغلاق، وهو الميل الذي تجسد عنفا تكفيريا، تصطلي الأمة بناره خاصة في المجال الاجتماعي، حيث تحول هذا الفكر إلى عامل حاسم من عوامل زيادة التمزق الاجتماعي في بنيان الأمة مما زادها وهنا على وهن. فأتباع هذا الفكر يقفون موقفا معاديا ليس من مجتمعهم الكبير، بل من أسرهم الصغيرة التي ينحدرون من أصلابها. وكثيرة هي الحادثات والوقعات التي أقدم فيها التكفيريون على قتل أقرب الناس إليهم دماً ورحماً. ومن لم يقتل من هؤلاء بعضا من رحمه قتلاً ماديا فقد أقدم على قتلهم قتلاً معنوياً بتكفيرهم و إخراجهم من الملة،عندما أقدم هؤلاء التكفيريون على تكفير ابائهم وأمهاتهم وأشقائهم ومن ثم مقاطعتهم, وهكذا فان التكفير يحول المجتمع الواحد إلى جزر متقطعة و متناحرة يتربص بعضها ببعضها الآخر، في أبشع عملية تمزيق للنسيج الاجتماعي مما يعمق حجم الاختلالات الاجتماعية، ومن ثم يزيد من الإفرازات السلبية لهذه الاختلالات، وهي الإفرازات التي يأخذ بعضها شكل العنف، ويأخذ بعضها الآخر شكل الإدمان ويأخذ بعضها الثالث شكل إباحة السرقة،إلى آخر قائمة السلوك الجرمي الناجمة عن الاختلالات الاجتماعية التي كان التكفير نتيجة من نتائجها فصار سببا من أسباب تعميقها وهو يخرج عن وحدة المجتمع ويسعى لتمزيقها بصور مختلفة، منها الخروج على قوانين الدولة وأنظمتها، ومنها الضرب بعرض الحائط للأعراف والتقاليد التي لا يعترف التكفيريون بها رغم أنها تسهم في بناء وحدة المجتمع ورغم أن العرف من مصادر التشريع التي أقرها فقهاء الإسلام العظام.
إن التكفيريين في تمزيقهم لوحدة المجتمع وبضربهم عرض الحائط بأعرافه يخرجون أول ما يخرجون على سيرة رسول الله التي يزعمون أنهم يسيرون على نهجها، ويسعون إلى تجسيدها في واقع الناس، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل وهو في مكة قبل الهجرة حريصا على وحدة مجتمعها، حريصا على عدم إيقاع الفتنة بين أهلها، حريصا على أن يحافظ صحابته عليهم، رغم أن ذوي صحابة رسول الله كانوا يؤذونهم ويبذلون كل جهدهم لإخراجهم من دينهم الجديد والعودة إلى ما كان عليه اباؤهم وأجدادهم من شرك ووثنية، وبالرغم من ذلك فإن رسول الله لم يأمر صحابته بمقاطعة ذوي أرحامهم، بل ظل يحثهم على البر بهم ووصلهم، وقد حفظ لنا التاريخ الكثير من صور بر صحابة رسول الله بالمشركين من ابائهم وأمهاتهم وذوي رحمهم، من ذلك بر أبي بكر الصديق بوالده الذي كان يلح عليه ليترك دينه الجديد، وبر مصعب بن عمير بوالدته،التي كانت شديدة الإصرار عليه كي يعود إلى دين الاباء و الأجداد، ومع ذلك ظل الصحابة على برهم بذويهم وصلتهم لأرحامهم، فمن أين جاء أهل التكفير ببدعة المقاطعة والقطيعة بين الناس وهم الذين يزعمون أنهم يسيرون على سيرة السلف؟
ومثلما يخرج التكفيريون على سيرة رسول الله المكية فإنهم يخرجون على سيرته وسنته المدنية، ذلك أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان أول ما فعله عندما آل إليه أمر يثرب وصار صاحب الكلمة العليا فيها، أنه وضع وثيقة المدينة المنورة التي نظم فيها العلاقة بين الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم وأعرافهم، فسعى عليه السلام من خلال هذه الوثيقة الى مأسسة وحدة المجتمع رغم تعدد الأديان والأعراق. وظل عليه السلام حريصا على هذه الوحدة المجتمعية، وعلى تنوعها وتعدديتها، وقد ضحى في سبيل ذلك بالكثير الكثير وتحمل الكثير الكثير، ويكفي أنه تحمل أذى أهل النفاق ورأسهم عبدالله بن أبي سلول، وظل يأمر ابنه بالبر به، كل ذلك حفاظا منه عليه السلام على وحدة المجتمع وتماسكه، فمن أين جاء سلوك التكفيريين وبدعتهم بمقاطعة الناس وتمزيق المجتمع وهجرته. وهم الذين يزعمون أنهم يسعون إلى إحياء سيرة رسول الله وسنته، ورسول الله بريء منهم ومما يفعلون، فلم يكن أشد بغضا على نفس رسول الله من الفتنة التي تمزق المجتمع، حتى وفيه كفار ومشركون،على خلاف ما يفعله التكفيريون ببدعة تمزيق مجتمعنا وأسرنا مما يجعل خطرهم الاجتماعي أكثر بكثير من خطرهم السياسي، وهو خطر لا بد من الانتباه إليه وتحذير الناس منه من خلال تنبيههم إلى أن التكفيريين يسعون إلى التفريق بين الأب وابنه، وبين الأم وابنتها، وبين الأخ وأخيه، وأنهم بفعلهم هذا يقطعون الأرحام ويمزقون المجتمع ووحدته، وهذا خطر فشلنا في تنبيه الناس إليه كما يجب، فصار من أسباب فشل حربنا على العنف التكفيري لذلك فإننا ندعو إلى إيلاء الخطر الاجتماعي للعنف التكفيري مزيداً من الاهتمام لأننا نظن أنه مدخل مهم من مداخل الحرب على التكفير.
الكاتب