مكافحة الإرهاب

   الإرهاب يقترن بالقتل غير المبرر، وكثيراً ما يقترن بالقتل الجماعي أو العشوائي الذي لا يميز بين مرتكب وبريء، بين رجل وامرأة وطفل. من هنا يصح تصنيف التفجيرات التي تودي بحياة كل من وجد في المحيط ولو صدفة، حتى في حال كان المستهدف شخصاً معيناً، أعمالاً إرهابية. من هنا يجب إدراج القصف العشوائي أو القصف غير المسدّد إلى أهداف عسكرية، في حروب نظامية أو حروب أهلية، في خانة الإرهاب.      الإرهاب نعت تطلقه مراجع دولية على كل من يحمل بندقية. نحن من الذين يعتقدون أن القتل محرم ديناً وقانوناً وعرفاً. الله يهب الحياة والله وحده يستردها. لا يجوز لأحد من بني البشر انتزاع روح أحد من أبناء جلدته في أي ظرف من الظروف، ربما باستثناء حالة واحدة هي حالة الدفاع عن النفس. إلا أن هذه الحالة كثيراً ما تفسر خارج إطارها الصحيح، كأن يؤخذ الاستباق أو الرد على تهديد أو تدارك خطر داهم من باب الدفاع عن النفس. إن التوسع في فهم مصطلح الدفاع عن النفس أبعد مما ينبغي ليس في محله، والقتل عند ذاك يغدو في منزلة الإجرام، والإجرام بطبيعة الحال غير مبرر لا بل مدان.         الإرهاب يقترن بالقتل غير المبرر، وكثيراً ما يقترن بالقتل الجماعي أو العشوائي الذي لا يميز بين مرتكب وبريء، بين رجل وامرأة وطفل. من هنا يصح تصنيف التفجيرات التي تودي بحياة كل من وجد في المحيط ولو صدفة، حتى في حال كان المستهدف شخصاً معيناً، أعمالاً إرهابية. من هنا يجب إدراج القصف العشوائي أو القصف غير المسدد إلى أهداف عسكرية، في حروب نظامية أو حروب أهلية، في خانة الإرهاب. أما أسلحة الدمار الشامل، ومنها القنابل النووية والأسلحة الكيماوية والجرثومية، فكلها من أدوات الإرهاب المنكر بطبيعة الحال. والدول التي تقتنيها يجب أن تدرك أنها بمجرد امتلاكها إنما تعلن في واقع الحال عن استعدادها لارتكاب جرائم إرهابية ماحقة.           هكذا فإن صفة الإرهاب يجب أن يوصم بها كثير من الذين عودونا على توزيع اتهاماتهم على الآخرين يمنة ويسرة.  الدولة العظمى أميركا مارست الإرهاب فعلياً في اليابان إذ ألقت قنبلتين ذريتين، وفي كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان إذ تسببت بمقتل آلاف من المواطنين الأبرياء العزّل، وفي عمليات حربية متفرقة نفذتها في شتى أرجاء العالم. وبريطانيا وفرنسا وروسيا وسائر الدول التي احتلت أراضي الغير أو مارست الاستعمار في تاريخها تورطت أيضاً في عمليات إرهابية إذ تسببت بمقتل أبرياء في سياق ذلك.       وإسرائيل هي دولة الإرهاب بامتياز إذ نفذت عمليات إبادة وتهجير لآلاف من الفلسطينيين ومن عرب الجوار في لبنان وسوريا ومصر والأردن في سياق حروب أو غارات أو هجمات شنتها عبر تاريخها الحافل بإهدار الأرواح والدماء. وهي لا تتردد في القيام بعمليات اغتيال و تخريب في الجوار العربي. و كثيراً ما لا تتورع أجهزة المخابرات في دول كثيرة عن ارتكاب الجرائم الإرهابية إذ تنفذ عمليات قتل واغتيال ونسف وتخريب على أراضي الغير عند القيام بمهامها باسم حماية الأمن القومي أو السيادة الوطنية أو في مسعى لإثارة الفتن داخل مجتمعات أخرى.  والسلطة في بلدان كثيرة تمارس عملياً أنشطة إرهابية في عمليات القمع التي تنفذها أحياناً كثيرة في مواجهة تظاهرات شعبية سلمية أو تحركات سياسية معارضة، وذلك في الحالات التي يتخللها وقوع ضحايا من المواطنين العزّل.        خلال المرحلة الأخيرة من وجودي شخصياً على رأس حكومة لبنان ما بين عام 1998 وعام 2000 استنكفت حتى عن توقيع مرسوم بتنفيذ حكم الإعدام، الصادر عن القضاء اللبناني، في حق اثنين من الجناة القتلة. إنني مؤمن بأن ليس من حقي أن أوقف قلباً ينبض حتى وإن كان صاحبه من عتات المجرمين. فأنا أعتقد أن الإعدام ليس عقاباً، كما أعتقد أن أقسى العقوبات هو الندم، أي وخز الضمير. فإذا ما أعدمنا مجرماً فإننا نكون قد أعفيناه من عقوبة الندم. البديل هو السجن المؤبد، وفي السجن يبقى الجاني حياً فيعاني مغبة الندم ووخز الضمير إن عاجلاً أم آجلاً. وبلدان العالم المتحضر تتجه هذه الأيام أكثر فأكثر إلى إلغاء عقوبة الإعدام في أنظمتها. أما في الولايات المتحدة الأميركية فالواقع يتباين بين ولاية وأخرى. هناك ولايات ألغت عقوبة الإعدام، وولايات أخرى ما زالت تطبقها.         هناك من يعلق بالقول إن الإسلام أجاز قتل القاتل. إنه فعلاً أجاز عقوبة إعدام القاتل، إلا أنه لم يفرضها أو يوجبها في كل الحالات. والإسلام من ناحية أخرى يدعو أيضاً إلى العفو والرحمة. وبين الاعتبارين أجدني من المناصرين لفكرة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان وفي سائر المجتمعات العربية والإسلامية. فإذا كان الإسلام قد أجاز عقوبة إعدام القاتل فإنه لم يحرّم إلغاءها في حال ارتأى المسئول أو المجتمع ذلك.       ونحن نعتبر المقاومة الوطنية من قبيل الدفاع عن النفس وطنياً أو قومياً، فهي تالياً عمل طبيعي لا بل مشروع بكل المعايير. فالمقاومة المشروعة تستهدف تحرير الأرض من احتلال غاصب، ومع الأرض إنقاذ شعب يرزح تحت نير الاحتلال. إلا أن المقاومة ينبغي أن تكون حريصة كل الحرص على استهداف الاحتلال وأدواته حصراً، وبالتالي مجانبة استهداف المدنيين العزّل. فإذا ما سقط ضحايا من الأبرياء في عمليات المقاومة، فإن تلك العمليات تغدو في عداد العمليات الإرهابية بحسب مفهومنا. فقتل الأبرياء والعزّل في نظرنا حرام بصرف النظر عن انتمائهم، حتى ولو كانوا من بلد أو شعب معاد وطنياً أو قومياً. ولا نستثني هنا حتى الإسرائيليين. لذا فالقصف العشوائي عمل إرهابي حتى ولو قامت به حركة مقاومة مشروعة. ا لحملة الواسعة ضد الإرهاب، التي تزعم الدولة العظمى أميركا أنها تتصدرها، وتتبناها دول كثيرة، ومنها دول عربية ودول صديقة، هي حملة مشروعة ومحمودة، شريطة أن يكون مفهوم الإرهاب المستهدف مشروعاً بحسب ما سلف تبيانه. علينا أن نحاذر الوقوع في شرك المناداة بمكافحة الإرهاب فنضع أنفسنا من حيث ندري أو لا ندري في مصاف الإرهابيين.                                              سليم الحص / السفير اللبنانية                                                  تاريخ النشر: 21/04/2009                                                     منقول عن جريدة السبيل الأردنية                                                   

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.