ماجد عرسان الكيلاني ينكأ جرح المكانة

بهدوء وصمت رحل واحد من أهم مفكري ليس الأردن فحسب،بل والأمة كلها إن لم نبالغ فنقول الإنسانية كلها، لأن الراحل الذي نتحدث عنه اليوم قدم للمكتبة العالمية كتابا لم يكتب مثله وبمستواه منذ 800 عام، كما قال الكثيرون من أهل الفكر والعلم والاختصاص في العديد من دول العالم، ذلكم هو العلامة الأستاذ الدكتور ماجد عرسان الكيلاني، الذي ووري الثرى بصمت في مسقط رأسه في بلدة الشجرة من أعمال لواء الرمثا بأقصى شمال الأردن، دون أن ينال خبر رحيل هذا المفكر بأقل القليل مما يناله رحيل فنانة هابطة من اهتمام، يتجسد بنقل جنازتها على الهواء مباشرة ولساعات طويلة، ثم بعد ذلك تخصص أوقات طويلة للحديث عن مآثرها وأعمالها،فتصدر الصحف والمجلات ملاحق عنها وعن مآثرها وعن أثرها على ثقافة الأمة، وكذلك تفعل برامج القنوات الإذاعية والفضائية، في تجسيد لمرض خطير من أمراض الأمة التي عاش ماجد عرسان ومات وهو يحذر منه، أعني به مرض الاضطراب الفكري الذي يعاني منه مجتمعنا، والذي يؤدي إلى اضطرابه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.عرفتُ الراحل ماجد عرسان الكيلاني في سبعينيات القرن الماضي، وكنت في أول سنوات الشباب, وكان هو مفكرا يشار إليه بالبنان,وواحدا من أهم كتاب جريدة اللواء، وأقربهم الى قلب أبي رحمهما الله. ولطالما استمتعت بحوارتهما المتشعبة والثرية بأحدث المعلومات، وبمتابعتهما لأحدث الكتب والإصدارات، وبمناقشاتهما حول علل الأمة عموما خاصة على صعيد الثقافة والفكر، وعلى العمل الإسلامي على وجه الخصوص وهما اللذان أفنيا عمريهما فيه، واشتكيا طويلاً من الفصام النكد بين أقوال العاملين في الحقل الإسلامي وأفعالهم.منذ ذلك الحين بقيتُ على صلة متابعة للراحل ماجد عرسان، الذي ظل محتفظا بنقائه وبساطته وأصالته، فبالرغم من أن الرجل درس ودرس في أعرق الجامعات العربية والغربية، فقد ظل شديد الانتماء لفكر أمته وحضارتها ودينها، وهو الانتماء الذي أفنى عمره في التأصيل له. فقدم للمكتبة مجموعة من أهم وأعظم الكتب التي لا غنى لمفكر جاد عن قراءتها، ومن بينها كتابه «فلسفة التربية الإسلامية» وهو دراسة مقارنة بين فلسفة التربية الإسلامية والفلسفات التربوية المعاصرة نال عليه جائزة الفارابي العالمية، التي رشحته لها عدة جامعات عربية وغير عربية، والكتاب هو الدراسة التي قيل عنها أنه لم يكتب مثلها منذ 800عام في العلوم الإسلامية، وأن الراحل وضع في هذه الدراسة الأسس العلمية والتربوية لبناء نظم تعليمية لها طابع مميز، يبرز العطاء الإنساني والتطور الراقي الذي يقدمه الاسلام للبشرية في العصر الحديث الذي تنهار فيه النظم التربوية وتبرز الحاجة إلى أنظمة بديلة، على حد قول لجنة جائزة الفرابي وهي واحدة من جوائز عديدة نالها الراحل في العديد من دول العالم.نظن معها أن بلده الأردن ظلمه ولم يعطه حقه، ومن ثم لم يضعه في المكانة التي يستحقها،وهذه واحدة من مصائب المفكرين الجادين في الأردن الذين يعرف العالم قدرهم، بينما يتجاهل هذا القدر بلدهم فلا يضعهم في المكانة التي تليق بهم، والأمثلة على ذلك كثيرة ليس هذا مجال الحديث عنها، وإن كان موت ماجد ينكأ هذا الجرح،وهو جرح المكانة ومقاييسها في الأردن من جديد.ويجعلنا نؤذن في جامعاتنا ووزارة الثقافة وغيرها من المؤسسات ذات العلاقة ان التفتوا الى العلماء والمفكرين الجادين في بلدنا، والذين يمنعهم كبرياء العلماء وحفظهم لكرامة العلم من الوقوف على أبواب الإعلام وغير الإعلام للتعريف بعصارة إنتاجهم، وهو الإنتاج الذي تسعى لاحتضانه دول ومجتمعات أخرى يجد فيها المبدعون الأردنيون من التقدير والإحترام مالا يجدونه في بلدهم، ثم نسأل لماذا تهاجر العقول من بلدنا، ولماذا تعاني حياتنا الثقافية من اليباب؟ وهو سؤال تقع على مؤسساتنا الثقافية والإعلامية مسوؤلية الإجابة عليه، من خلال سعيها لتوفير مناخات الإبداع للمبدعين، والسعي إليهم وتكريمهم، بعد الاستفادة من عطائهم، وانا أعرف أن هناك جهات غير عربية بذلت جهداً كبيراً للوصول الى ماجد الكيلاني وكان المرض قد أقعده في اربد، ومع ذلك أصرت هذه الجهات العلمية على تكريمه، ووفرت له ولمرافقيه كل سبل السفر المريح لينال حقه من التكريم الذي قصر بلده في تقديمه له، حتى وهو يحمل على الأكتاف في رحلته 

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.