لا إكراه في السياسة

(بقلم خالص جلبي) يفرح المسلمون بسقوط القسطنطينية عام 1453م ولكن هناك من يذكرها مع الدموع فهل كان فتحها إسلامياً؟ ثم ما هي النتائج المدمرة على العالم الإسلامي من وراء هذا الفتح المبين؟ إن المشكلة هي أن ما يفعله المرء يراه عين الصواب، ولا يخطر في بالنا أن تاريخنا قد يكون في بعض صفحاته مرباداً أسودا (رواية قناة الديسكفري ويجب التاكد منها ولكن الأكيد هرب معظم العلماء منها إلى أوربا) وكما يقول (توينبي): (أن المؤرخين في العادة أميل إلى شرح آراء الجماعات التي يكدحون في محيطها منهم إلى نقدها). ولكننا وتحت ضغط التحيز والرؤية الانتقائية نفقد حاسة النقد السليمة في أحداث طوتها لجة التاريخ. وبغض النظر عن فظاعات الفتح وحجم النهب والسلب والاغتصاب على يد الانكشارية فإن أول ما فعله الفاتح بأهالي المدينة المنكوبة أن وضع يده على أقدس مقدساتهم فدخل كنيسة (أياصوفيا) التحفة التاريخية التي أفرغ (جوستينان) خزينة الدولة على بناءها وحولها إلى فاتيكان شرقية أن حولها إلى مسجد. في فعل لا يوصف بروح التسامح الإسلامية ولا يذكر بعمل الفاروق عمر حينما دخل القدس بعباءة مرقعة على ظهر حمار يرفض الصلاة داخل كنيسة القيامة حتى لا يتخذها بعض صغار النفوس حجة للاستيلاء عليها وتحويلها إلى مسجد. إن السيف الأموي في الأندلس والمدفع العثماني في البلقان يصلح تفسيرا لانحسار الإسلام عن أوربا لأنه لم يكن انتشارا على منهج النبوة بل اجتياحاً عسكرياً، وفي عهد المنصور العامري لوحده تم شن 52 حملة عسكرية في الأندلس، وهو أمر ازداد انفصالاً عن منهج النبوة مع تقدم الوقت وبدا أشد وضوحاً مع النموذج العثماني. ولا تقف مشكلة استخدام القوة و (الإكراه) على صورة الفتح الفجة البدائية بل آثارها المدمرة فبعد زوال الضغط عن الجناح الغربي في شبه الجزيرة الأيبرية انطلق تنين أوربي برأسين برتغالي وأسباني كرد فعل على حروب لانهاية لها في هذه الحافة المشئومة وانطلق فرسان (الاسترداد) على نفس الحصان العربي بعد تمرسهم الطويل على آلة الحرب ضد المسلمين، وكما يقول (توينبي) أن ردة الفعل لا تكون في التاريخ مثلها في الفيزياء فهي هنا ليست مساوية في الفعل ومضادة في الاتجاه، بل أشد ارتكاساً وفي أكثر من اتجاه ما يشبه انفجار السرطان. ظهر هذا واضحاً في العنف الفائق الذي استخدمه الأسبان ضد حضارتي الازتيك والانكا. وفي العاصمة (تينو شتتلان) في المكسيك ذبح 240 ألف من السكان ما يعادل ثلثي سكان عاصمة تشبه نييورك حالياً. وفي البيرو تم تخيير (أواتا هوالبا) ملك الانكا بإنقاذه من الموت حرقاً بالشنق إن هو اعتنق المسيحية، ولم تنفعه فدية الذهب التي ملأها في غرفة ضمت ستة أطنان من الذهب و12 طنا من الفضة جمعت من أرجاء مملكة تعج بعشرة ملايين من السكان على مرتفعات الانديز. وأما في شرق أوربا فكانت نتائج الضغط العثماني أشد ترويعاً لأنه مع قطع طرق التجارة إلى الشرق استند الغرب بظهره إلى بحر الظلمات فقام بقفزته الكبرى إلى المجهول وعلى ثلاث محاور: (غربي) فاكتشف أربع قارات جديدة وآلاف الجزر الغنية ووضع يده على مضائق البحار ومعها الثروة العالمية واليوم يمتلك الغرب في جيبه ثمانية قروش ونصف من كل تسعة. و(شرقي) فأحكم شد الأنشوطة على عنق الصحية الإسلامية بالالتفاف حول أفريقيا. و(شمالي) قام به القوزاق الروس فدمروا بقايا ممالك التتار واحتلوا القرم. يجب أن يشكر الغرب الأتراك جدا على ما فعلوه. وعندما نذكر تدمير بغداد على يد التتار نحزن. ولكن احتلال القسطنطينية هو في عين آخرين (تتار) من نوع مختلف، والأتراك على كل حال هم فصيل من التتار نزح من أسيا الوسطى. إننا بالعكس عندما نذكر احتلال القسطنطينية التي عمرت ألف عام بعد انهيار روما وذبح سكانها وهرب علماءها نذكره بنشوة الفتح ونسميه إسلامياً. كل هذا يحدث تحت ظاهرة (الوعي الانتقائي) و( العمى التاريخي) فليس عندنا قدرة في مراجعة تاريخنا، ولا نعتبر مثلاً أن معركة صفين كانت كارثة توقف فيها المد الإسلامي الصحيح والأساسي، وظهرت إلى السطح نسخة إسلامية أموية مزورة صادرت الحياة الراشدية، وتدثر الخليفة مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كسروية وتحولت دولة (العدل) إلى (إمبراطورية) بيزنطية تجتاح الممالك بالسيف على مبدأ كرة الثلج: كل بلد يفتح يجند أولاده ويكبر جيش المرتزقة ليفتح به بلدا جديدا وهكذا. كان (أبو ذر) واعيا حينما قال للنظام الأموي: (أتريدونها هرقلية ؟). وهو الذي دفع عمر بن عبد العزيز إلى وقف موجة الفتوحات العسكرية حتى مات مسموما بعد سنتين من حكمه. إن هذا التحول في الحياة الإسلامية لم يدخل وعينا كما أن إمكانية نفض تاريخنا لمعرفة ما حدث لم يبدأ العمل به بعد. ومازال تاريخنا مقدساً مصاناً بعيداً عن عين النقد وأدوات السبر والمراجعة، ومازالت روح الفتوحات والسيف تظلل الحياة السياسية حتى اليوم. والشيء المرعب الذي حدث ولعله تأسس منذ مصالحة الفقيه (أبو يوسف) مع النظام العباسي بكتابه عن (الخراج) إلى هارون الرشيد بحيث ساد العقل الإسلامي ومازال أن الذي يتمكن بالسيف من قهر العباد و(يمكن له) تسك النقود باسمه ويدعا له على ظهور المنابر يوم الجمع ولو كان من عتاة المجرمين. وبذلك ودع المسلمون (الرشد) في إجازة مفتوحة إلى إشعار آخر. وهذا التأسيس لفكرة (الإكراه) وعبادة القوة أخرجت نموذج الإنسان الخائف المنسحب الذي يردد (اللي أخد أمنا بنسميه عمنا) ويصفق لكل انقلابي ناجح، وأدخلت المرض إلى مفاصل الثقافة الإسلامية بأشد من الروماتيزم الخبيث. ولم يخرج (الحداثيون) من قمقم الفكر التراثي ففكروا بنفس طريقة السفاح وأبو مسلم الخراساني فاعتلوا ظهر الحصان العسكري لتحقيق طموحاتهم فأوردهم المهالك. وعندما اعتمد (صلاح البيطار) أسلوب الانقلاب دفع ثمن ذلك أن وقع صريع رصاصهم في باريس. إن في ذلك لآيات للمتوسمين. إن المثقفين مثل عفلق والبيطار الذين استولى عليهم شعور إنقاذ الأمة من التخلف كانت (نواياهم) طيبة ولكن لم يفهموا أن إدخال القوة والعنف لتغيير الأمة إفساد له ولا يمكن أن يكون إصلاحاً بحال. فهنا جمعوا بين (نية الصلاح) و (طريق الفساد) من غير أن يشعروا. وهذا ينطبق على الإسلاميين كما ينطبق على القوميين. وعندما تكون (النية) جيدة وأن تغيير الأمة يجب أن يتم (بالإكراه) والأفكار بالقوة فإن النية لا تشفع ويدخل المرء عمق الفساد. ويدرك المرء بمرارة أن الاعتماد على العسكر خطير، وأن كل حصان قابل للترويض إلا الحصان العسكري، وأن العسكر سيلتهمون أصحاب النية السليمة، وان الجناح العسكري هو الذي سيحكم المثقفين، وأن السيف سيكون فوق القانون، وأن كرسي السلطة ألذ من كل لذائذ الدنيا، وأن المرجعية الأساسية في المجتمع هي القوة. من الذي قتل البيطار وحسن البنا وأنطوان سعادة؟ إنها الأفكار التي رعوها. وطالما تغذى الجميع من فكر القوة وأن القوة فوق الجميع فإن تصفية الرفاق والإخوان لبعضهم البعض هي تحصيل حاصل. إن فكرة تغيير الأمة بالجيش والأفكار بالقوة فاسدة من أقطارها الأربعة: (الدين) و(علم الاجتماع) و(البيولوجيا) و(السياسة): فهي الشرك في (الدين) وكما كانت شهادة أن (لا إله إلا الله) الأعظم كذلك بنيت الحياة السياسية على مبدأ (لا إكراه في الدين). وحرف (لا) للنفي يدخل على كل صور الإكراه وكل دين وفي أي اتجاه. فلا يقتل الإنسان من أجل آراءه أياً كان اعتناقاً وتركاً دخولاً وخروجاً وإلا كانت إكراها وحبساً وسيارات تمشي للأمام فقط وطرقات سريعة باتجاه واحد. وهذا يعني أنه بمجرد دخول الإكراه في الدين فقد دخل الشرك ومزج التوحيد بالوثنية، واختلط الحق بالباطل. والذي يعلق أي أمل بالقوة فقد أشرك في لغة الدين وأدخل مع الله آلهة أخرى وأبطل عمله، فمع الشرك يحبط كل عمل (لئن أشركت ليحبطن عملك). وهي ثانياً في لغة (علم الاجتماع) الدخول إلى (شريعة الغاب) والذي يملك القوة هو الله لا إله غيره وهو ما قاله فرعون لموسى (لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين). أو للسحرة (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى). وهكذا فإن (عبادة القوة) هي عبادة الطاغوت والسجود للصنم. وهي ثالثاً في (اللغة البيولوجية) طلاق العقل واعتماد العضلات وهو الفساد الأكبر للإنسان عندما تنقلب الأدوار فيمشي الإنسان على رأسه منكساً. ولكن من يمشي على رأسه يخسر رأسه ورجليه معاً. وفي مقابلتين منفصلتين مع قناة الجزيرة سئل قيادي إسلامي وآخر شيوعي نفس السؤال: هل مارستم العنف؟ وكان جواب الاثنين واحداً: (نعم دفاعاً عن النفس). إن استخدام العنف لتحويل المجتمع هو الذي يجعل القاتل والمقتول في النار. لأنه (ليس كل دفاع عن النفس حقاً). وهذا الشيء لا يستطيع فهمه لا الشيوعي ولا الإسلامي ولا الليبرالي ولا القومي، كما أن العالم جميعاً ليس له قدرة على فهم هذا الشيء الذي جاء به الأنبياء لأن الكل يجيز (الدفاع عن النفس). ولكن الدفاع عن النفس هو في الحقيقة في وجهه الثاني الخفي الاستعداد للهجوم على الآخرين، أي برمجة العدوان والقوة في المجتمع، وعندما يلتقي الطرفان بالسيف يتحول المجتمع إلى جهنم يلتهم كل الناس وما حديث أفغانستان ببعيد. ما معنى أن يكون الإنسان في مجتمع؟ إن وعياً مقدساً من هذا النوع يخلق (المواطن المنتمي) لأن المجتمع يحمي من العدوان، والمجتمع الذي لا يستطيع حماية أفراده ويلجأ فيه كل فرد إلى الأخذ بحقه بذراعه يتحول إلى (مجتمع غابة) وهي نكسة نوعية للخلف عشرة آلاف سنة. ومجتمعات (الغابة الجديدة) لا ينفع فيها التغيير بالقوة لأنه تغيير أشخاص بأشخاص دون المساس بنظام الفكر الذي يهيمن عليه. ولهذا فإن الفرقاء كلهم من (ملة واحدة) هي ملة (الشرك) و(العضلات) و(الغابة) و(الديكتاتورية). وأخيراً في (علم السياسة) تعني الديموقراطية أن يقر الجميع أن لا يلجأ طرف إلى العنف وأن تطلق الحريات في (التفكير) و (التعبير) والتجمع والتحزب، ويحرم شيء واحد فقط هو استخدام القوة والسلاح والإكراه لفرض الأفكار. ومنهج الأنبياء يقوم على (تراض منهم وتشاور) و (لا إكراه في الدين) وهو يستخدم اللاعنف من طرف واحد حتى لو اعتمد الآخر على العنف؛ لأن التورط في العنف معناه الدخول في مذهب الآخر، والأنبياء دعوا إلى شق طريق جديد في تحرير الإنسان من علاقات القوة ووثنية الإكراه بأن لا تكون المرجعية الأساسية في المجتمع السلاح والعضلات والإكراه، فهذا هو لب التوحيد أن لا إله إلا الله وليست القوة هي الله وليس الحاكم هو الله رب الناس ملك الناس إله الناس، ولتحقيق هذا دعا الأنبياء الناس أن لا يقتلوا أحداً أو حاكماً لتغيير الأوضاع لأنه استبدال طاغوت بطاغوت ولكن أن يغيروا رصيد ما بنفوسهم بالتخلص من القابلية لعبادة القوة. وهكذا فقول الحق وعدم الدفاع عن النفس والموت من أجل هذا هو الذي يكرر عمل ابن آدم وسيد الشهداء حمزة. إن الذين لا يفهمون هذا حوارهم حوار طرشان وهو ما يجري في المحطات الفضائية اليوم بسبب شدة استحكام أفكار القوة في مفاصل الفكر العربي وحياتهم هي استبدال طاغية بطاغية واستبدال قوة بقوة وهذا لا يصنع ديموقراطية ولا دنيا ولا دين ولا مجتمع إنساني، بل تبادل مستمر للقتل، والاستمرار في القتل والقتل المضاد، والذي لا يفهم هذا لا يمكن أن يكشف ما جاء به الأنبياء ولا ما جاءت به الديموقراطية.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.