الاعتدال في كل شيء فضيلة، والتطرف في كل أمر رذيلة، وما أجمل قول القائل الداعي إلى فضيلة التوسط والاعتدال: "لا تذهبنّ في الأمور فرطاً، ولا تسألنّ إن سألت شططا، وكن في الناس جميعاً وسطاً".
وإن أردت أن تعرف الوسط، فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخُلق المحذور، فإن كان أسهل عليك وأكثر من الذي يضاده، فالغالب عليك ذلك الخُلق الموجب له، مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألـذّ عندك وأيسر من بذله لمستحقّـه، فاعلم أن الغالب عليك خُلق البخل، فزد في المواظبة على البـذل، فإن صار البذل على غير المستحقّ ألذّ عندك وأخفّ عليك من الإمساك بالحق، فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك. فلا تزال تراقب نفسك، وتستـدلّ على خُلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها، حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال، فلا تميل إلى بـذله، ولا إلى إمساكه، بل يصير عندك كالماء، فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج، أو بذله لحاجة محتاج، ولا يترجّـح عندك البذل على الإمساك، فكل قلب صار كذلك فقد أتى الله سليماً.
وللإمام ابن القيم كلام نفيس عن "التوسّط"؛ إذ يرى أنه أحد أركان أربعة، يقوم عليها حسن الأخلاق، وهي: الصبر، والعفّـة، والشجاعة، والتوسّـط.. ويعبّـر عن التوسّط بلفظ العدل فيـقول: إن العدل يحمل الإنسان على اعتدال أخلاقه، وتوسّـطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خُلق "الجود والسخاء" الذي هو توسّـط بين الذّلة والوقاحة، وعلى خلق "الشجاعة" الذي هو توسّـط بين الجبن والتهوّر، وعلى خُلق "الحلم"، الذي هو توسّـط بين الغضب والمهانة! وإنما كان للتوسّـط هذه المكانة الجليلة؛ لأن كل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين، وهو وسط بينهما، وطرفاه خلقان ذميمان، كـ"الجود" الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير، و"التواضع" الذي يكتنفه خلقا المهانة والكبر. فإن النفس متى انحرفت عن "التوسّـط" انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين، ولابدّ. وإذا انحرفت عن خلق "التواضع" انحرفت إما إلى كبر، وإما إلى ذلّة.
وإذا انحرفت عن خلق "الحياء" انحرفت إما إلى وقاحة، وإما إلى خور. وإذا انحرفت عن خلق "الصبر المحمود" انحرفت إما إلى جزع، وإما إلى غلظة. وإذا انحرفت النفس عن خلق "الحلم" انحرفت إما إلى طيش، وإما إلى عجز. وإذا انحرفت عن خلق "الرفـق" انحرفت إما إلى عنف، وإما إلى إضاعة. وإذا انحرفت عن خلق "العزّة" التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر، وإما إلى ذل. وإذا انحرفت عن خلق "القناعة" انحرفت إما إلى الحرص، وإما إلى الخسّـة. وإذا انحرفت عن خلق "الرحمة" انحرفت إما إلى القسوة، وإما إلى ضعف القلب. ثم يقول: وصاحب الخلق الوسط مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقاؤه، وفي صفة نبيّـنا صلى الله عليه وسلم: من رآه بديهةً هابه، ومن خالطه عشرة أحبّـه. وكلمة "وسط" تدل على العدل، وما له طرفان متساويان في القدر، كما تدل على البعد عن الإفراط والتفريط، وأن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فهو - كما أسلفنا - شرّ ومذموم، والوسيط هو الحسيب، والمتوسّـط بين المتخاصمين، ووسوط الشمس: توسّـطها السماء، وواسطة القلادة: الجوهر الذي هو في وسطها، وهو أجودها، ووسوط: أي المتوسّـط المعتدل، قال الأعرابي: علّمني ديناً وسوطاً، لا ذاهباً فُروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً، فإن الوسط هاهنا المتوسّـط بين الغالي والتالي.
والأوسط: اسم تفضيل من وَسَط، وأنثاه الوُسطى، ويأتي في معنى الأقرب إلى الاعتدال والقصد، والأبعد عن الغلوّ في الجودة والرداءة ونحوهما، كما يأتي في معنى الأفضل، إذا كان أوسط الشيء محميّـاً من العوارض التي تلحق الأطراف. يقول ابن الأثير: كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان، والإنسان مأمورٌ أن يتجنّـب كل وصف مذموم، وتجنُّـبه بالتعرِّي منه والبعد عنه، فكلما ازداد منه بعداً ازداد منه تعرّياً، وأبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسَطُهُما، وهو غاية البعد عنهما، فإذا كان في الوسَط فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان.
وقد تحدّث الإمام الغزالي عن شدّة الغموض الذي يحيط بدرجة "الوسطيّـة"، فلا يستطيع أن يلمحها ويتحلّى بها إلا من أدام المجاهدة لنفسه، والسعي نحو غايـته، فيقول: ولما كان الوسط الحقيقيّ بين الطرفين في غاية الغموض، بل هو أدقّ من الشعر، وأحـدّ من السيف، فلا جرم من استوى على هذا الصراط المستـقيم في الدنيا، جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة، وقلما ينفك العبد من ميل عن الصراط المستقيم، أعني الوسط، حتى لا يميل إلى أحد الجانبـين، فيكون قلبه متعلّـقاً بالجانب الذي مال إليه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أمة الوسطية، التي لا تعرف تفريطاً ولا إفراطاً.
الكاتب