كيف نستقبل رمضان

يولي المؤمنون شهر رمضان عناية دون باقي الشهور، ويظهر ذلك جليا من حيث استعدادهم النفسي والروحي لاستقباله، فقلوبهم تتوهج فرحا وسرورا أن يدركوا رمضان وأن يبلغهم الله تعالى إياه، لأنه من أجل الشهور قدرا وبركة، فهو يعوض الإنسان قِصر عمره ويباركه، يقول الله تعالى: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنَ أَلْفِ شَهْرٍ"[1]، ذلك لمن أقامها إيمانا واحتسابا. وكان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح لما يعلمون من خير شهر رمضان وفضله في حياتهم وآخرتهم، يدعون الله تعالى أن يتقبل منهم صيامه وقيامه وفضله ستة أشهر، ويدعون الله تعالى البقية الأخرى من الشهور أن يحييهم الله ويطيل في أعمارهم ليدركوا رمضان، لأنه فرصة العمر من الحياة كلها. ففيه تتعدد القربات وتسكب العبرات وتقال العثرات، ويعرف فيه الكون حركة غير عادية تبدأ بعالم الغيب ترحيبا بقدوم شهر رمضان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي   قال:" إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين"[2]، ثم بعالم الإنسان، عالم الشهادة الذي يعرف هو الآخر حركة اقتصادية واجتماعية بكل المقاييس. ويكون المعنى من الحديث؛ إحياء الضمير ويقظته في العودة إلى الله تعالى وربط الصلة به والإنابة إليه والتوبة من قلق الدنيا وهمومها، ليحصل أكثر ما يمكن من الأجر والثواب، ويدرب نفسه على الطاعة، ويزكيها بعمل القربات والأعمال الصالحة. ومن ذلك أيضا أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي:" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصِيَامِهِ"[3]. ويعرف الإنسان خلال صومه بالرغم من الرمض حركة اجتماعية لا مثيل لها، فيَلِين القلب إلى فعل أنواع البر من الصدقة والإحسان إلى الفقراء والمساكين وذوي الحاجة، وصلة الرحم، والتعاون على الخير، ويشتد السير إلى المساجد إناثا وذكورا صغارا وكبارا، ويُسمع للقرآن أزيزا وترتيلا، وتكثر حلق الذكر ومجالسة العلماء، فيمتد النور من السماء إلى أهل الأرض بنزول الرحمة والمغفرة بهم، كما ينزل ملأ من الملائكة يشهدون على ذلك. يساعد جو الصيام على تقليل مجاري الشيطان وأعوانه في العروق وبين الناس فيضيق المكان عليهم، فيكف الإنسان نفسه على فعل المعاصي والآثام، ويكف الأذى عن الناس، وينشط بذلك الجسم، فيتخلص من السموم والفضلات المتراكمة عليه، ويعطي فرصة للدم بالتحرك عبر العروق بطريقة سلسة فيغدي جميع الأعضاء فتزداد حيويتها، فيساعد الكل على حرق الدهون المادية والمعنوية، ويفتح المجال للروح أن تنشط في العبادة والطاعة لترقى بالجوارح خشوعا وتذللا لله تعالى. ومن الأمور الأساسية لاستقبال شهر رمضان الفضيل: الأمر الأول: التوبة الصادقة: العاقل من يستقبل شهر رمضان بقلب واع مقبل على الله تعالى بتوبة صادقة وإنابة خالصة، تكون سببا في التجرد من جميع الذنوب والخطايا، فيجدد العهد بالله تعالى ويبكي ما فات من سالف الأوقات المهدورة ويندم على اقترفت يداه وجوارحه، ويجعل من رمضان فرصة عمره للاستئناس بالعبادة في صورتها الشمولية إلى أن يتوفاه الله تعالى. لله كم صديق فقدناه وأوريناه التراب ودفناه، كان يتمنى أن يدرك رمضان المبارك، فإن أطال الله في عمرك فاحمد الله أن فتح لك ومنحك فرصة تتاجر فيها معه، واعلم أن كل عمل يكون خالصا لوجه الله الكريم، من الصلاة والنوافل وقراءة القرآن وكثرة الذكر والاستغفار وزيارة الأقارب والإنفاق في سبيل الله تعالى بالمال أو الدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحظة تقربك إلى الله تعالى وترفع من قدرك ومكانتك، وكل وقت يفوتك منه في غير طاعة يبعدك من الفوز برضا الرحمن. فرمضان من أعظم الأوقات فضلا، وهو كاف بأن يحصل به الإنسان درجة المتقين، يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ"[4]. فالإنسان العاقل يأخذ بالعزيمة قبل الرخصة، ويستعد كل الاستعداد وينهض بكل قواه العقلية والنفسية والحسية، ويثير في نفسه العزم والقدرة على أن لا يفرط في لحظة من أيام شهر رمضان إذا لم يكن له مانع من موانع الصيام(المرض، السفر، عدم القدرة...)، لأنه من جهة لا يكلف الله تعالى الإنسان إلا بما يطيق، ومن جهة أخرى لحكمة قد يصل الإنسان إليها بالتفكير والنظر في مقاصد الصيام وقد لا يصل إليها، لكنها من باب ما كلف الله به الإنسان اعتقادا وإيمانا. ويجعل الإنسان من رمضان شهر التوبة من صغار الذنوب ومن كبارها، وأن تصبح ديدنه وحياته، يستجيب بها إلى نداء خالقه: "يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا"[5]، هذا النداء الرباني يحرك الفؤاد والشعور وكل ذرة من ذرات الجسد لتستجيب لهذا النداء الخالد الذي يحمل معه الرحمة بالعباد بأن يهجروا الذنوب والأوزار ويتوبوا في كل لحظة من الذنوب، يقول النبي:" لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا"[6]. ثم إنه شهرٌ ينادي مناد فيه من قِبَل السماء، فيقول" يا باغي الخير أقبل، ويا باغيَ الشرّ أقصِر، ولله عتقاء من النّار،وذلك كل ليلة)"[7]. فطوبى لمن أدركته رحمة الله تعالى في هذا الشهر وعتقت رقبته من النار. ومن شروط التوبة التي تثقل على النفس رد المظالم إلى أهلها والتحلل منها. الأمر الثاني في الاستعداد لرمضان وكيفية استقباله؛ العبرة بمرور الأيام وانصرام الليالي، وأنه ما من يوم يحل بنا إلا ويزول، فما أقرب الغد من اليوم، وكل يوم يمر إلا ويقربنا من الآخرة ويبعدنا من الدنيا، ولكل من الدَّارين بنون. وفي مرور الأيام والسنين عبرة ووقفة مع الوقت، يطوى معها العمر وينصرم ولا يستطيع أحد أن يتدخل فيه بإيقافه أو التقليل من سرعته أو تعويضه. رمضان عاد ليخبرنا بمرور سنة كاملة سُلِبت من أعمارنا، وعما قليل سنُلاقي الجزاء من جنس العمل، يقول الله تعالى: "فَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَّرَهُ وَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[8]، ويقول سبحانه:" ومَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ للْعَبِيدِ"[9]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غربي أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وغذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"[10]. إذا كان عمر الإنسان بمقدار يوم واحد، كيف يكون عمله للدنيا وكيف يكون عمله للآخرة، وكيف يمكنه أن يتخذا مسكنا ووطنا له، وأن يتعب نفسه في التزود بما لا ينفع. فخير الزاد العمل الصالح، وبما يأمر الله تعالى بإقامة العدل في الأرض وعمارتها بما يصلحها ويصلح الإنسان.و"من وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم: اعبروها ولا تعمروها، وروي عنه أنه قال:من ذا الذي يبني على موج البحر دارا، تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارا.ودخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه، فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتا نوجه إليه، قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه"[11]. وقال عمر بن العزيز في أحد خطبه: "إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"[12]. فقدوم شهر رمضان يعلمنا كيف نعيش، وكيف نستعد ونتأه استعداد وأهبة لوحشة القبر يوم يتخلى عنا الأهل والأحباب، ولا يبقى إلا العمل، فإما أن يكون حجة لنا أو علينا، ونتذكر موقفنا وامتثالنا بين يدي الرحمن عند السؤال" يَوْمَ تُجَادِلُ كُلُّ نفْسٍ عَن نَّفْسِها وَتُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"[13]. الأمر الثالث: الحرص على استغلال مدرسة الصيام بكل ما ينفع. رمضان شهر التسابق إلى فعل الخيرات والإكثار من الطاعات على أحسن وجه. ومن أجل ما يجب العمل به في هذا الشهر الفضيل التفقه في أحكام الصيام من موجباته وأركانه وشروط وسنن ومبطلات ليكون الصوم صحيحا من حيث الإمساك عن شهوة الفرج والبطن، وصحيحا من حيث تدريب النفس على الطاعة والسمو بها والترقي في جو بالإحساس بمراقبة الله تعالى. والله تعالى يضاعف فعل الحسنة بشرف الزمان، فيضاعف بالحسنة إلى أضعاف مضاعفة، وخيرُ ما يعمر به الإنسان المؤمن جل أوقاته ذكر الله تعالى في كل أحواله. والمقصود بالذكر هنا استحضار مراقبة الله تعالى له في سره وعلانيته في حركته وسكونه، في كلامه وصمته، وفي أمره ونهيه، في نومه ويقظته، فيعيش ليله ونهاره ذكرا لله تعالى، ولسانه رطب بذكره، لا يفتر عنه لحظة، يعيش في الأنس بجواره والتحدث بعظمته، والقرب من رحمته وفضله ونعمائه. وأفضل الذكر صلاح الباطن والظاهر، وتوافق الروح مع الجسد. ومن المور التي تعين الإنسان على الاستفادة من الصيام بكل ينفعه، ان يتعاهد هدي رسول الله والصحابة رضوان الله عليهم في رمضان، وفي هذا لخص ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك فقال:"الإكثارُ من العباداتِ؛ فكان جبريلُ عليه الصلاة والسلام يدارِسُه القرآنَ في رمضانَ، وكان إذا لقِيَه جبريلُ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ المرسلةِ، وكان أجودَ النّاسِ، وأجودَ ما يكونُ في رمضانَ؛ يُكثرُ فيه من الصّدقةِ، والإحسانِ، وتلاوةِ القرآنِ، والصّلاةِ، والذِّكرِ، والاعتكافِ، وكان يخصُّ رمضانَ من العبادةِ بما لا يخصُّ غيرَه به من الشُّهورِ"[14] ومن الأمور -       الحفاظ على أداء الوات في أوقاتها وفي جماعة -       حفظ الجوارح وكف الأذى عن الناس، لقول النبي : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، وقوله: رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَر، وقوله: إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. -       تعجيل الفطور وتأخير السحور -       قيام الليل، المحافظة على صلاة التراويح -       الكرم بالناس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. -       العمل المتواصل بالنهار: يجعل من يومه نشاطا -       الإقبال على قراءة القرآن الكريم ومدارسته -       الدعاء: للصائم دعوة لا ترد اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير زكاها أنت وليها ومولاها، آمين والحمد لله رب العالمين   سورة القدر الآية 3 أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان حديث رقم (1809) ، وأخرجه مسلم فى صحيحه – كتاب الصيام – باب فضل شهر رمضان حديث رقم (1858) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن جر العسقلاني(773-852هـ)، 4/118، دار المعرفة بيروت، لبنان         (بدون سنة) سورة البقرة الآية 193-184 سورة التحريم الآية 8 صحيح مسلم،(مسلم بن الحجاج ت261ه) كتاب التوبة، بَاب فِي الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْفَرَحِ بِهَا، رقم الحديث 4934، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنن الترمذي وعند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه سورة الزلزلة الآية 7-8 سورة فصلت الآية 46 رواه البخاري (89/8) وابن حبان (471/2) والبيهقي (516/3) وبنفس سنده في " الشعب "(474/12) (9764ر) وأبو نعيم في " الحلية " (301/3) والطبراني في " الكبير " (398/12) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص: 378 نفسه ص: 379 سورة النحل الآية 111 زاد المعاد لابن القيم الجوزية 2/30 المصدر:موقع حركة الاصلاح والتوحيد

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.