في زمن القصعة والغثاء والإنحناء والالتواء، تطل علينا ذكرى الهجرة زماناً لتعانق المكان (مكة والمدينة) وتؤرخ لحدث تحول فيه التاريخ صعوداً ليعانق السنة الثابتة في أسباب النصر والهزيمة، لتصبح الهجرة ليس هروباً من موقع إلى موقع طلباً للأمن والراحة وإنما لإنشاء واحة يكون تغيير المكان لبدء مرحلة جديدة موقوتة الزمان غير محدودة المكان مدروسة النتائج.
انها تمثل صدق الرسل في آداء المهمة والرسالة (قل لا اسألكم عليه أجرا)، فهي هجرة هداية وليست هجرة جباية وكل استرزاق بإسم الدين يحرفنا عن الهدف ولا يوصلنا إليه لإنتقاء الصدق فيه.
نلمح في الهجرة دقة التنظيم، وكل ركائز الإسلام تدعوا إليه بما فيها عباداته، وهكذا الكون وتنظيمه وهكذا فعل الرسول عليه الصلاة والسلام من مقدمات أدت إلى نتائج بيعتان ومواثيق وتخطيط للمكان والسير والراحلة وبقاء علي في فراشه وغيرها.
ونلمح في دروس الهجرة دور القيادة الواعية التي أمنت أفرادها بعيداً عن الخطر وآخر من ارتحل وهكذا تصنع الثقة بينهما. إن الهجرة تعني الغربة، فهل تكون الغربة أحياناً أجدى وأكثر أثراً ايجابيا ونفسياً في نفوس المهاجرين، لأن الغربة قد تكون في الوطن عندما يحس الإنسان أن لا اطعام من جوع ولا أمن من خوف.
ثم نلمح في الهجرة معاني الحق الذي انتصر ولو ظهر ضعيفاً، فالحق لا بد أن يأتي، ثم معنى القوة التي هي وليدة الحق الذي ساد بين أهله ثم اشاع فيمن حولهم ثم معنى الحرية التي يجاهر الإنسان فيها برأيه ومعتقده دونما خوف أو وجل.
ثم نلمح قضية الزمن سنوات ليعود أهل قلة إلى بلدهم، ولكن بعد أن أقام قوة ودولة، وهو سؤال يطرح نفسه لماذا المهجرون في العالم إما مسلمون أو عرب والسياط لا تنزل الآن إلا عليهم، فهل من بارقة أمل. كانت طريق العودة واضحةً في الإعداد النفسي والروحي والعسكري ونشير هنا إلى قضية العقول المهاجرة والتي هاجرت لأكثر من سبب، كيف نتواصل معها ونستفيد منها لتبني معنا حضارة الأمن والهداية.
ثم نلمح أيضاً معنى الرحمة والصفح بعد العودة وهي التي تبني مجتمع التواد والتراحم لا مجتمع التنابذ والخلاف.
إن ميراث النبوة لا زال بيننا وحديث الهجرة يصدح اذاننا، فليكن احتفالنا بالهجرة احتفالاً يليق بالحديث الذي استدار له الزمان والمكان.
الكاتب