ابراهيم العجلوني
يتساءل صاحبنا الذي له بعض عناية بمذاهب الفلسفة قديمها وحديثها وقد رأى ثمة اتجاهين عريضين احدهما مادي خالص لا يعدو بالمعرفة نطاق المحسوس, وثانيهما عقلي خالص لا يسلم للحس بأحكامه, ولا بأن التجربة هي المصدر الاوفى بدرك الحقائق.. يتساءل صاحبنا قائلا: لم لا تكون هناك مدرسة عقلية يكون لحقائق المادة فيها حضور معلوم فتكون مثالية موضوعية في آن أو عقلية حسية معاً؟
في الحق أن هناك اتجاهات فلسفية يتوافر فيها هذه الازدواجية, ولا تحصر نفسها في نطاق واحد: اما رجوع بالمعرفة الى الحس على نحو ما نجد لدى الوضعية المنطقية التي تحكم بأن عبارة ما لا يصدقها الحس هي لغو فارع وان تماسكت منطقياً, أو رجوع بها الى غير المادة من بدهيات العقل أو الماورائيات.
وكما ان للوجود مستويات, يكون فيها آخر الجماد مفضياً الى اول النبات وآخر النبات مفضياً الى اول الحيوان. فإن المعرفة مستويات كذلك منها ما يتعلق بالمادة في طور الجماد ومنها ما يتعلق بها في طور النبات, ومنها ما يتعلق بها في طور الحيوان, حتى اذا ما وصل الامر الى الانسان وضح أن كل مناهج المعرفة في كل ما سبق تقف حائرة امام هذا الكائن الذي وان كانت المادة جزءاً رئيساً فيه الا انها ليست هي حقيقته بحال, اذ تشتمل كينونته على نفس لا تزال كثير من حقائقها في طي الكتمان, ومن عقل يصعب رد فاعلياته الى تشريح الدماغ, ومن روح ذات مطالب لا تستقر بصاحبها على حال حتى تقلقه الى ما وراءها. وكل ذلك ميادين للمعرفة وأسباب للاعتقاد, ولا يزال الناس مختلفين حولها.
ولو أننا اقتصرنا على الجانب الاخلاقي في حياة الانسان, وهو جانب لا يحتكم فيه الى «المادة» عاقل, واردنا الى تبيّن معنى «الفضيلة» دون غيرها من تجليات الاخلاق, لرأينا – مثلاً – ان بعضهم (ارسطو) يجعلها وسطاً بين رذيلتين, وهي مسألة كتبنا فيها مقالة قبل ايام, على حين يراها جوسيا رويس JOSIAHROYCE توسيعاً للحياة الانسانية حتى تخرج من افقها الضيق المحدود الى افق اللانهاية، وهذا يعني انها لا يمكن ان تكون وسطا بين رذيلتين.
فإذا علمنا ان «رويس» هذا يمثل مدرسة فلسفية نشطت في البحث فيما وراء الطبيعة واستطاعت ان تجد انصارا لها في اميركا الشمالية التي استحوذ عليها المذهب الذرائعي المادي، فإن باستطاعتنا القول ان «علوم الانسان» غير «علوم المادة» وإن سحب معطيات المادة في مستوياتها كافة، على الحياة الانسانية، هو لون من المراهقة المعرفية، وهي شنشنة «علموية» لها اسبابها في الغرب منذ بداية ما يسمونه «عصر الأنوار» هنالك، ولها من ينعقون بها بين ظهرانينا، مضاهأة ذاهلة ومضحكة في آن.
ولعل تطرقنا هنا الى شيء من مبحث الاخلاق أن يذكرنا بثلاثة باحثين في فلسفة الاخلاق في بلادنا كان لهم إسهام قيّم فيها هم «فايز محمود» رحمه الله في كتابه المبكر: «الحقيقة: بحث في الوجود» الذي شُرفت بالاسهام في كتابة احدى مقدمتيه، والدكتور سحبان خليفات رحمه الله في مجمل أبحاثه في الفلسفة الاخلاقية، والدكتور عزمي طه السيد احمد أطال الله عمره فيما كتبه «تطور الفلسفة الاخلاقية في الفكر الاسلامي».
إن العقل والارادة هما مناط الاخلاق، أي ان المعرفة والحرية هما شرطا الفعل الاخلاقي، فإي دور للمادة في ذلك، وبم يستمسك المنغلقون عليها، وأين يذهبون؟
في أصل الأخلاق