ابراهيم العجلوني
لا قوام ذاتياً لبعض الأنفس ولا ملامح واضحة ولا شخصية يمكن تبيّن سماتها.
قصارى امر هند الأنفس انها مرتهنة لردّات الافعال التي تعتريها, وانها تتخايل في مرايا الاخرين وتعوّل على هذه المرايا في تقييمها لأقوالها وأفعالها.
مثل هذه البنى النفسية لا تستأني في قبول هذر الاقاويل ولغو الاشاعات, فهي تتلقاها بأفواحها وتسارع الى اذاعتها دون أن تمر منها على عقل أو على ضمير. ولعل غبطة حمقاء ان تعتري بعضهم وهو يفجأ غيره بما يكبر في نفسه من خبر عجيب او نبأ مستعظم, لما يعتقده من كون ذلك مدخلاً سهلاً الى تحقيق حضوره (!) بعد أن عدم اسباب الفاعلية والحضور.
***
.. يقول واحد من متأملي هذه الظاهرة إنها دليل على تلبث اصحابها في مناخ الطفولة القاصرة التي تحقق ذاتها في اطار من الدهشة والفضول اللذين هما عنصرا الاشاعة الرئيسان. واذا نحن اخذنا ذلك بعين اعتبارنا فإن من طبائع الاشياء أن نأخذ نقيضه بالعين ذاتها, إذ كلما بلغ المنطق رشده وتكاملت للضمير معاييره كان ذلك ادعى الى عرض المسموع مما تتفاقم به الاشاعات على موازين الاعتبار وعلى معطيات التجارب, ولم يعد الناس يؤخذون بادي الرأي الا بما يقبله العقل وتؤيده سنن الاجتماع وكان محصول ذلك انحسار التهاويل وشرّها الوبيل عن الاذهان وخلوص الحقيقة سليمة من كل بهتان.
***
ثم إننا لا نستبعد الاسباب السياسية للاشاعات, ولا ما يمكن ان توظّف فيه من مآرب, كأن تكون – مثلاً – بالونات اختبار للرأي العام, أو أن يراد منها اثارة البلبلة والاضطراب, أو اشعال نار الفتن, أو ما شئت مما يمكن من مكر اعداء الامة والوطن آناء الليل وأطراف النهار.
***
من اجل ذلك كله تموت الشائعة – او تموت اسبابها – في المجتمع الناضج العفي, وتنكشف لأول انبعاثها, ويخزي بها مجترحوها من قريب.
عن الاشاعة مرة ثالثة