على بساط الثلاثاء 158 .. ســوريـة من الربيع الى العاصفة ( 1 )

بقلم حبيب عيسى:  في خريف عام 1977 ذهب أنور السادات إلى فلسطين يعرض على الصهاينة الغزاة صفقة العمر ، يومها انتظرت ، دون جدوى ، أن يـأتي الرد من مرجعية ، ما ، في هذه الأمة ، لكن تبين لي أن هذه الأمة العربية من المحيط وإلى الخليج مخطوفة من طغاة ليسوا حكاماً لها ، وإنما حكاماً عليها لحساب قوى أخرى ، وأن مرجعيتها مزقها أولئك الطغاة فيما بينهم ، كنت يومها في ذروة الشباب ، أو في ذروة طيشه ، أو في ذروة ثورته ، أو في ذروة مراهقته ، أو في ذروة تهوره ، اختاروا ما شئتم من تلك الصفات ، لا يعنيني ما ستختارون ، المهم أنني يومها وجدت نفسي أنتفض ، وأدق على صدري ، ثم أصرخ بيني وبين ذاتي : نحن الذين لا صوت لهم ، نحن أصحاب مشروع الأمة المهزومين ، نحن مرجعية الأمة العربية ، وأن ذلك النظام الإقليمي في الوطن العربي برؤسائه وملوكه وأمراءه وسلاطينه على الاتحاد والانفراد هو مرجعية أنور السادات المعادية للأمة ، وأن تلك النظم الإقليمية بقضها وقضيضها طرف أصيل في تلك الصفقة مع الصهاينة ، وأن الذين ادعوا ، منهم يومها ، معارضة السادات : كاذبون ، كاذبون ، وأنهم الأخطر منه ، والأقل شجاعة ، ثم أتبعت ذلك باصدار قرار حكم باسم الشعب العربي يقضي بأن النظام الإقليمي من المحيط إلى الخليج فاقد للشرعية والمشروعية ، وأن الثورة لإسقاطه بكافة السبل مشروعة ووضعت ذلك تحت عنوان تقريري : "السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي" مستنداً في ذلك إلى حيثيات تفصيلية تشمل الممارسات الجرمية بحق الأمة التي مارسها أولئك الطغاة على الاتحاد والانفراد ، والتي توجت بصفقة كبيرهم مع الصهاينة . ( 2 )          لم أكن يومها أملك أداة تنفيذ ذلك القرار ، ومتى كان للمهزومين كلمة ..؟  ، ولم تكن الأمة تملك ذلك ، فقد تمكن منها تحالف قوي من الطغاة في الداخل والغزاة من الخارج ، فأمسكوا بقرارها وإرادتها ، ثم انتهكوا سيادتها وأوقفوا اندفاعة مشروعها النهضوي التحرري التقدمي وحولوهّا إلى ساحة لصراعات تدمر النسيج الاجتماعي في الأجزاء وفي الكل العربي ، وهكذا مع كل يوم يمر كانت القوى والأحزاب والحركات التي كان يعّول عليها لتكون حاملاً لمشروع النهوض والتحرر والمقاومة والوحدة والتقدم ، وبالتالي تشكل مرجعية لتنفيذ قرار الأمة وإرادتها ، كانت تنزلق إلى وحول صراعات سلطوية وما يتبعها من فساد وجرائم ، أو إلى مقاومات تنكفيء إلى صراعات إقليمية أو دينية أو مذهبية ، أو إلى عصبويات طائفية ومناطقية وتنحط أحياناً لتكون عائلية تحكم ، أو يتم التحكم فيها بمنطق وأسلوب العصابات الإجرامية ليس إلا ... ( 3 )          باختصار شديد ، ترتب على ذلك أولاً : أن جميع القوى المسيطرة والفاعلة في الوطن العربي من أول السلطات الحاكمة وأجهزتها المتوحشة إلى آخر القوى الاحتياطية المتخلفة النائمة المتروكة في قاع المجتمع والتي تشكل الوجه الآخر لتوحش السلطة وتبعيتها للخارج ، كانت هنا وهناك ، في قمة السلطة وفي قاع المجتمع تشكل فكي الكماشة الذي يطبق على المجتمع  وتعمل لحساب أجندات خارجية سواء في المحيط الإقليمي ، أو على الصعيد الدولي شرقاً أو غرباً بالاستناد إلى الوجود المركزي للمستوطنات الصهيونية في فلسطين ، وبالتالي تم تغييّب الأجندة الوطنية على صعيد الأجزاء ، ومن حيث النتيجة تم تغييب الأجندة القومية للأمة ، وترتب على ذلك ثانياً : إلغاء إمكانية التغيير المنظم سواء بالنضال المجتمعي المدني السلمي ، أوبالثورة المسلحة المنضبطة سياسياً ، وذلك بعد أن نجحت النظم الاستبدادية من إلغاء الحياة السياسية عبر تدمير ممنهج للأحزاب السياسية وتدجين المؤسسات العسكرية ...وتغّول الأجهزة الأمنية والمخابراتية ... واستشراء الفساد والنهب وتدمير مؤسسات الدولة والمجتمع بحيث تكون الوظيفة العامة والمناصب وحتى الحصول على لقمة العيش مرهون بالاستلاب التام للسلطة وأجهزتها التي تفرض سطوتها على كل مفاصل المجتمع والدولة . ( 4 )          هكذا انسد الأفق أمام مشروع النهوض والتحرر والتغيير في الوطن العربي ، وبدى النظام الإقليمي في الوطن العربي كأنه حكم مؤبد على هذه الأمة ، وانتشرت مقولات الاستلاب والاستسلام التي يمكن تلخيصها بالقول : أن "العاقل"  في هذا الشعب العربي من يُسّلم بتأبيد النظام ليحظى بالسلامة ... عبر سلوك طريق من طرق ثلاثة حصراً ، الأول : العمل لدى النظم الاستبدادية بمنطق العبودية بمعنى تقديس الطغاة وتنفيذ الأوامر دون سؤال ومن ثم إلغاء العقل والإرادة وخدمة منظومة الفساد والتسلط والنهب والتنفيذ الببغائي لما تردده ماكينة النظام الدعائية دون تفكير أو اعتراض ، فالصديق صديق الطاغية والعدو عدوه في الداخل والخارج ، وانقلاب الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق يقرره الحاكم ويتبعه القطيع حتى في حالة الحرب والسلم ، وبقدر ما يرضخ وينفذ المطلوب منه ويشارك في الفساد بقدر ما ينال من المكاسب ، أما الطريق الثاني : فهو النفاق للنظام اتقاء لشروره وقمع أجهزته ، وتلك الطريق تسلكه عادة الأغلبية التي ُتعرّف عندما تتفجر الأزمات بالأغلبية الصامتة ، والتي تشكل عصب المسيرات المليونية التي تفبركها الأنظمة الشمولية حتى وهي على عتبات السقوط ، حيث تهتف الحناجر بتأليه من تكره وترفع صور من يذلها ويقمعها وينتهك حقوقها الأساسية وينهب ثرواتها ويتسبب في تخلفها ، أما الطريق الثالث فيتمثل بالعزوف عن العمل السياسي والتقوقع استجابة للتطرف الديني أو الطائفي أو المذهبي أو العرقي وهذا هو الطريق الوحيد الذي تشجعه النظم الاستبدادية عادة وتسمح بممارسة شعائره وطقوسه لإنه من وجهة نظرها يلغي أمكانية النشاط السياسي المعارض من جهة ويوجه الصراع من صراع مع التسلط والاستبداد والفساد إلى صراعات عبثية داخل البنى الاجتماعية ذاتها مما يوفر للنظم الاستبدادية إمكانية إدارة تلك الصراعات عوضاً عن مواجهة صراع المجتمع بمواجهة تلك النظم ، لكن ورغم إمكانية تجنيد الكثير من رجال الدين ومليشيات الطوائف إلا أن تلك القوى يمكن أن تنقلب بسهولة على أولياء النعمة في النظام ، ويكون هذا الانقلاب شبه تام في حال تعرض النظام لمخاطر السقوط ، ثم يتحول إلى انقلاب تام بعد سقوط النظام فتلك القوى التي كانت تتقاسم السطوة على المجتمع مع النظم الشمولية تطمح بعد سقوط الأنظمة بالتفرد في فرض سيطرتها مستفيدة من تصحر الحياة السياسية فهي القوى الوحيدة التي تخرج من نظم الاستبداد شبه منظمة وبالتالي تتحكم عادة بالمراحل الانتقالية بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية ،  وقد تطول تلك المراحل الانتقالية أو تقصر بحسب مقدرة المجتمع على استعادة حيويته وإطلاق أحزاب وقوى سياسية من جديد ...، وتلك القوى المتخلفة تحظى في الوقت ذاته بدعم قوى العيمنة الخارجية لإنها البديل الاحتياطي لنظم الاستبداد التي يسهل التحكم بها فيما بعد ...        لقد كانت أجهزة الاستبداد القمعية ومؤسساتها التسلطية وآلتها الإعلامية ترعى وتوجه وتشجع وتقدم الرشى والعطاءات للسير في واحد من الطرق الثلاثة وقد نجحت على مدى عقود في ترسيخ سلطات الاستبداد وإظهار الكتلة الشعبية في مظاهر تأليه الطغاة ، بينما تم تهشيم الأحزاب السياسية وتحويلها إلى شلل شخصانية "جماعة فلان أو علان" وبدون أية فاعلية ورغم ذلك ولتأديب المجتمع حتى ينصاع تماماً لممارسات السلطة ، ولا يفكر أحد من أبنائه بشق عصا الطاعة  ، كانت الأجهزة القمعية تمارس أعتى صنوف القمع وحتى التصفية الجسدية لتلك الشلل السياسية التي تسميها مارقة ... فالنشاط السياسي ممنوع ... ( 5 )       في ظل ذلك الظلام الدامس الذي امتد لعقود ، حيث يبدوا ، وكأن مشروع النهوض والتحرر والحرية والتقدم قد سقط سقوطاً ذريعاً بينما النظم الإقليمية الاستبدادية في أوج سطوتها  كان عليّ أن أعتذر عن كتابي "السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي" وأن أساهم في الترويج لكتاب "خروج العرب من التاريخ" ، لكنني مرة أخرى ركبت رأسي ، ولم ألتفت لإولئك الذين كانوا يبادرون للسخرية مني كلما التقوني يشيرون للواقع ، ويسألون بتهكم : من الذي سقط ...؟ ، وكنت ُأجيب بتحد : إن النظام الإقليمي في الوطن العربي ساقط ، وهو مستمر ليس بسبب أهليته وإنما بسبب عطالة قوى التغيير ، وعندما ينفض جيل عربي قادم يده من الاعتماد على القوى السياسية التي هشمها الاستبداد سيعرف كيف يقلعّ شوكه بيديه بأدوات إبداعية قد لا تخطر على بال أحد ،  لكن هذا لن يكون سهلاً ، ولن يكون تقليدياً      هكذا ، عندما عزف الشعب العربي في تونس - سيمفونية - : "الشعب يريد إسقاط النظام" عادت الحيوية تدب في ذاتي وتنتعش بمراهقة الشباب مرة أخرى وتتفتح خلاياها التي كنت اعتقدت أنها ماتت ، فعبّرت عن ذلك ، وعلى الفور ، فأشهرت موقفي : أن النظام الذي ينادي الشعب بإسقاطه ، والذي يجب أن يسقط :  هو هذا النظام الإقليمي الفاسد والتابع والمتخلف بين المحيط والخليج ، وأن سقوط النظام التونسي لن يخرج حتى ذلك الجزء من الشعب العربي في تونس من محنته ، فالربيع العربي إما أن ينتصر بين المحيط والخليج ، وإما فأن محنة الأمة العربية بين المحيط والخليج ستستمر ، وتتفاقم ... إنه "السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي"، لكن هنا اليوم جيل عربي جديد خلع عباءة جيلنا وتجاوز أساليب هزائمه ، وهو يبدع أدوات لتنفيذ قراره وفرض إرادته ...         إن سورية في القلب من ذلك كله ، ولذلك قلت منذ البداية : أن مستقبل "الربيع العربي" انتصاراً أو هزيمة سيتحدد في سورية ... فإما أن ينطلق منها ليشمل مساحة الوطن بين المحيط والخليج وإما أن يُدفن فيها ؟   لماذا ، وما هي حيثيات ذلك الحكم ؟؟  و"للحديث صلة  

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.