عبد القطيفة

أنتجت الحداثة المعكوسة في مجتمعنا الإسلامي المعاصر تغييراً مشوهاً، و انزياحاً سالباً عن الثوابت والقيم، والإطار المرجعي الذي يحكم فكر المسلم وسلوكه اليومي. فطفت إلى السطح وثنية جديدة تستحث الإنسان ليعبد منتوج يديه ، وليُسلم قياد روحه وجسده لنشوة استهلاك بغيضة . لقد أنعم الحق سبحانه على الإنسان بنعمة اللباس فقال: " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم و ريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون" الأعراف آية 26  ، وجعل زينة الملبس مكملة للعبادة الحقة التي يُتقرب بها إليه  في قوله عز وجل: " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " الأعراف 31 . بيد أن ما قرره النص القرآني بكونه وسيلة لغاية مثلى، وأن ذلك  المرمى والغاية لا يستشعر المرء قيمة لوجوده ووظيفته الإنسانية في الحياة إلا بتحقيقها.  وقد أضحىتلك الغاية اليوم تحت تأثير الموضة، وبدائل الفراغ الروحي في الغرب. كما وامتدت نزعة الاستهلاك الحادة التي تغذيها الإعلانات و السينما إلى البناء القيمي؛ فعمدت إلى تفكيكه، وتذويب خصوصياته في نسق من الإشباع المتجدد . وقد تولد الهوس المعاصر بالملابس عن نزعة تحررية سادت فترة الستينات من القرن الماضي،  حيث تضخم الاهتمام بالجسد على المستويين العاطفي والقيمي ، وتشكلت منظومة من التصورات و الممارسات التي تعيد النظر في  القواعد الاجتماعية المتحكمة في مظهر الأفراد . وفي خلال هذه الفترة حرص مصممو الأزياء والمجلات النسائية على فرض وتعميم ما يسميه جان ميزونوف ب "عبادة الرشاقة " و التعبير عن العودة إلى الطبيعة عبر تحرير الجسد و الابتهاج بالعري . و بما أن الملابس "التقليدية " عنوان على التصرف تحت مسؤولية الجماعة؛ فإن الانسياق خلف الموضة شكل مدخلا حيوياً يسمح بالاستقلال عن  الوصاية الاجتماعية والتحرر الذي يبلغ حد الاستفزاز ! لكن بغض النظر عن الرسائل التي يتم توجيهها والوظيفة الرمزية التي يؤديها اللباس اليوم كوسيلة اتصال وإيحاء بوضع اجتماعي معين، فإن الإفراط في التأنق و الهوس بكل جديد في صيحات الموضة قد أفضى إلى حالة من التنميط والتفاهة . يقول ميزونوفL فالملابس المبتكرة واللافتة للنظر تؤدي في الحقيقة دوراً تعويضياً، إنها تعبرعن محاولات(تدعو للشفقة) لإخفاء كراهية للذات مثيرة للدهشة أكثر مما تعبر عن الابتهاج) (1). هكذا إذن يُعلي الفرد من شأن قطيفته، ويصبح عبداً لكل منسوج حريري أو قطني يخفي هشاشته ! ومن منظور آخر يخفي ذيوع وانتشار اتجاهات الأزياء  برأي أجنر فوج إلى  صراع اجتماعي بين الشرائح  العليا والدنيا ، ( إن أبناء المجتمع المحرومين من الامتيازات ربما يسعون إلى إخفاء مكانتهم الدنيا؛ ومن ثم يعمدون إلى محاكاة أسلوب الطبقة العليا مما يفضي إلى نوع من التضخم في الأساليب ) (2) .  وليت الأمر يقف عند حدود التضخم ؛ فالهوس بالانتساب لوضع اجتماعي أرقى، و بث صورة مرغوبة عن الذات _ حتى و إن تأكد زيفها_ ، أسفر اليوم عن اغتراب يقرنه إيريك فروم بالوثنية كما أوردها الفكر النبوي. إن إنسان العصر محكوم اليوم من طرف الأشياء التي صنعتها يداه، وصارت حكمته وقوته وباقي خصائصه الإنسانية رهينة أوثان مؤسسة على التبضع والامتلاك والرضاعة الأزلية (3) . كما ويغذي الافتتان باللباس وصيحات الموضة في الحضارة الغربية أوهام تحرر تستبلد العقل والوجدان؛ فالرقابة الاجتماعية و الاضطهاد المعقلن لمجتمع الوفرة يولدان لدى الفرد حاجة لا تقاوم إلى إنتاج و استهلاك ما هو زائد عن الحاجة، ويؤسسان لمعايير اختيار تدعم في النهاية مساعي التكييف و القولبة . وحين يُمنح المرء حرية الاختيار بين سادته  أو بين تشكيلة من البضائع و الخدمات التي تُخلد بلادته؛  فإننا نكون بصدد حرية منظمة و مصطنعة تستعيد بخبث ذكريات الرق و العبودية(4) ! هذا التنديد بهيمنة النمط الاستهلاكي ، والاعتراض على تسليع الوجود الإنساني، و تدمير القيم التي تشكل أدوات التلاحم الاجتماعي؛ يحيلنا على البعد الضائع والإيقاع المؤلم الذي يضبط حركة الحياة في المجتمعات الغربية . وهو المآل الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الانقياد لأسبابه . ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أن رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_، قال : ( تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض ).  وسر الدعاء عليه بالتعاسة مرده إلى ما ينشأ عن الولع الزائد بالأشياء من إتباع للهوى، وانحراف عن المقصد الرباني من تسخير النعم . فمن كان عبداً لهواه _ كما قيل _ لم يصدق في حقه (إياك نعبد) !    إن الوسطية التي تحكم علاقة المسلم باللباس تمثل إحدى تجليات التكريم الرباني للإنسان. وسطية قائمة على حصر وظائفه في ستر العورة وإظهار أثر نعمة الله عليه دون تفريط يزري بالمظهر أو إفراط يُولد الكبر. وهذا التكريم القائم على مبدأي الاستخلاف و التسخير  يجعل من كل عناصر الكون خادمة للوجود الإنساني حتى يتفرغ ابن آدم لأسمى تكليف؛ ألا  وهو عبادة الخالق وعمارة الأرض. فحري بمن حظي بهذه المكانة ألا يخلد إلى هواه و يعطل منهجاً ربانياً ضمن له التوازن، والطمأنينة و الكيان النفسي الموحد .              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 – جان ميزونوف وماريلو شفايتزر : الجسد و الجمال .شركة الخدمات التعليمية . القاهرة 2006 . ص 109 2 – أجنر فوج : الانتخاب الثقافي . المجلس الأعلى للثقافة . القاهرة 2005 . ص281 3 – إيريك فروم : الإنسان المستلب و آفاق تحرره . نداكوم للطباعة و النشر . الرباط 2003 4 – هربارت ماركوز : الإنسان ذو البعد الواحد. دار الآداب . بيروت 1988 . ص 43 وما بعدها 
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.