صناعة القدوة

بوح القلم (تأملات في النفس والكون والواقع والحياة) صناعة القدوة • القدوة: هو كل مَن يُتخذ مثالًا يُقتدى بشخصه، وأُسوة يُحتذى بفعاله، وقائدًا يُسار على منواله، ورائدًا يترسَّم طريقه ومساره. • القدوة تكون في الأمور والخصال الحسنة والمحمودة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ [السجدة: 24]، وتحصل في الأشياء السيئة والمذمومة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ [القصص: 41]. تكمُن أهمية ودور القدوة في الأمور التالية: 1- المثال الحي يثير في النفس قدرًا كبيرًا من الاستحسان والإعجاب، والتقدير والمحبة، والإذعان والانقياد. 2- القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ الفضائل والمكارم من الأمور المقدورة والمستطاعة. 3- دعوة القرآن والسنة للتأسي بالقدوات الحسنة: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]، (عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). 4- التوجيه والتحذير من التأثر بالنماذج السيئة: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ... ﴾ [القصص: 82]. 5- الجزاء العظيم الذي يناله القدوة والأسوة: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبِعه). 6- عِظمُ أثر القدوات في المسيرة التاريخية على الفكر والسلوك والأفراد والمجتمعات؛ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يبعَث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها)؛ رواه أبو داود. 7- التغيرات الكونية والتحولات القدرية المتتابعة والمتلاطمة، وخاصة في آخر الزمان. 8- النقص الواضح والقصور الكبير في صناعة وصياغة القدوات في كافة المجالات والتخصصات العلمية والعملية. تتطلب صناعة القدوة، وإعداد الأسوة، جملةً من العوامل والوسائل؛ من أبرزها: 1- التربية العلمية والعملية (الفكرية والسلوكية) للأفراد والمجتمعات. 2- قيام المحاضن التربوية (الأسرة والمسجد والمدرسة) بمهامها التحصينية والبنائية والعلاجية. 3- استشعار المسؤولية وتحمُّل الأمانة للقيام بالواجبات تجاه النفس والأهل والمجتمع والأمة. 4- الإفادة من السنن والمثلات الإلهية، والعلوم والقواعد الإنسانية، والنظريات والفرضيات الاجتماعية في التخطيط والتنظير، والتفاعل والتعامل مع التحولات والتغيرات. 5- الحماية الفكرية والحصانة السلوكية من الانجرار والانجراف خلف الملذات الدنيوية والنزاعات والتجاذبات الفكرية والمتغيرات الاجتماعية. 6- التواصل الدائم والارتباط الوثيق، والعمل المشترك والمؤازرة المستمرة مع القدوات المتنوعة والمختلفة. 7- المراجعة الدائبة والنقد البناء، والتقويم المتزن للأوضاع والأحوال والمكتسبات والإنجازات. 8- إعداد المشاريع والخطط والمراكز والمعاهد المتخصصة في صناعة القدوات في كافة التخصصات. 9- الإفادة من البحوث والدراسات الفكرية والثقافية المعنية بالتغيرات الفكرية، والظواهر الاجتماعية، والتقلُّبات الدولية في تحديد الأولويَّات، وبناء الإستراتيجيات وتقييم الواقع، واستشراف المستقبل. ثمرات وفوائد صناعة القدوة تتجلى في الآثار التالية: 1- التغيير في الأفكار والأنفس والأفراد والمجتمعات. 2- الانخراط في المقامات العلية والمراتب السنية: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ [السجدة: 24]. 3- تورث للفرد قوةَ القلب ورباطة الجأش، وعزة النفس، وروحانية الفؤاد، ورجاحة العقل وحُسن التصرف. 4- السير في ركاب الروَّاد المؤثرين والقادة الفاعلين. 5- رفع الحرج عن الأمة بالقيام بالواجبات الكفائية والحقوق الاجتماعية، والخدمات التطوعية. 6- سد الثغرات وتضييق الفجوات، وتكميل النقص الحاصل في المواهب والتخصصات التي تحتاجها الأمة. 7- المدافعة والمقاومة لمحاولات الذوبان والانصهار في الأفكار والتوجُّهات المنحرفة والضالة. 8- تقديم النماذج المفضلة والمُثُل المتكاملة للتأسي والاقتداء للأجيال الواعدة والصاعدة. 9- الإعذار إلى المولى جل وعلا بالقيام بالواجب تجاه النفس والأهل والمجتمع والأمة قدرَ المتاح والمستطاع. • ومضة: قال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]؛ قال: "أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويَقتدي بنا مَن بعدَنا"؛ قال الحافظ في الفتح (13/ 265): أخرجه الفريابي والطبري وغيرُهما بسند صحيح.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.