خطبة عن التسامح في الاسلام ( 1)
اعداد : د. زهاء الدين عبيدات
معاشر الموحدين:
ان الذي دعاني الى هذه الخطبة ما قرأته من خبر مؤلم اذ ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية
الخبر المحزن الاتي قتل اخر مسلم وهو نائب رئيس بلدية مبايكي في جمهورية إفريقيا الوسطى، صالح ديدو، والذي رفض مغادرة المدينة مع جميع المسلمين تحت ضغط أحداث التطهير العرقي الجارية هناك،انتنبه اخي المسلم القتل والتهجير كان بأموار من الحكومة وليس من قبل افراد . هم يدينون الاسلام والمسلمين اذ حصل قتل لنصراني او يهودي من احد الخارجين الاسلام رغم ان ديننا لايقر ذلك ونحن كمسلمين نرفض مثل هذه الاعمال لكن لم نر دولة من دول اوربا غربية كانت او شرقية ادانت مثل هذه الاعمال المخالفة للانسانية وكذلك امريكا وغيره من الدول لم تدين وتستنكر مثل هذه الاعمال العنصريه وحتى هيئة الامم لا بل هيئة اللمم لم تستنكر وتدين مثل هذه الاعمال رغم انه في انظمتها وقوانينها تنص على الحرية الدينية ومحاربة العنصرية والطائفية وأنطلاقا من الاية القرانية ( انما المؤمنون اخوة ) ومن حديث الحبيب محمد صل الله عليه وسلم الذي يقول فيه ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ... ) واي امر اهم من قتل مسلم برئ بل تطهير البلد من كل من ينتسب الى الاسلام ولكن ايها الحبيب انظر الى عظمة الاسلام كيف تجلى تسامحه مع هؤلاء الذين يقتلون اخوتنا في كل مكان دون سبب الا لانهم مسلمون نعم تجلت سياسة التسامح الديني في عهد الرسول محمد عام الوفود حين استقبل وفوداً مسيحية وبعث برسالة إلى أسقف نجران.
ويتحدث الباحث الروماني ك. جيورجيو عن أوضاع أصحاب الديانات السماوية في ظل الحكم الإسلامي فيقول:
" مع أن الإسلام عم الجزيرة كلها في السنة التاسعة فإن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكره اليهود و لا النصارى على قبول دينه، لأنهم أهل الكتاب . و قد جاء في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أبي الحارث أسقف نجران أن وضع المسيحيين في الجزيرة بعد الإسلام تحسن كثيراً، يقول في الرسالة :
"بسم الله الرحمن الرحيم ، من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي الحارث أسقف نجران الأكبر وقساوسته وأساقفه .. أما بعد ، فليعلم الأسقف الأكبر وقساوسته وأساقفته أن كنائسكم ومعابدكم وصومعاتكم ستبقى كما هي ، وأنكم أحرار في عباداتكم . ولن يزاح أحد منكم عن منصبه ومقامه، ولن يبدل شيء . كما لم يبدل في مراسم دينكم ، ما دام الأساقفة صادقين ، ويعملون حسب تعاليم الدين . فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسول صلى الله عليه وسلم، ومن منعه فإنه عدو الله ولرسوله"
ايها الاخوة المسلمين يا عباد الله
الى ماذا تشير هذه الرسالة ؟ تشير إلى أن المسيحيين وكذلك اليهود في الجزيرة أحرار في أداء شعائرهم ، ولن يزاحمهم من المسلمين مزاحم . وقد قدم في السنة التاسعة وفد من مسيحي نجران يرأسهم أبو الحارث الأسقف الأكبر، وعبد المسيح الأسقف ، والأيهم رئيس القافلة ، وحين أرادوا الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا ألبستهم الدينية الرسمية الكاملة، فأخذ سكان المدينة بهذه الثياب . وبعد أن زاروا النبي صلى الله عليه وسلم سألوه أن يسمح لهم بأداء شعائرهم فطلب منهم أن يؤدوا صلواتهم في مسجد المدينة، فدخلوا واتجهوا نحو بيت المقدس، و تعبدوا هناك . . ولا شك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحترم النصارى احتراماً خاصاً لأن القرآن ذكرهم وأكرمهم . وقد أشار الله تعالى إلى هذه النقطة في محكم كتابه في سورة المائدة في الآية 82 : (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (و يقول في الآية التي بعدها ) (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعنهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (، ويقول بعدها كذلك: ) (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (ويقول بعدها ) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء المحسنين )
ويتحدث لورافيشيا فاغليري عن منهج التسامح الديني عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول :
"كان محمد صلى الله عليه وسلم المتمسك دائمًا بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعًا الأناة دائمًا اعتقادًا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدًا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشري"
معاشر الموحدين:
هذا ويجدر القول إن سياسة التسامح الديني التي اتبعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم تجاه أصحاب الديانات الأخرى استلهاماً لروح الإسلام ، غدت - فيما بعد- قاعدة لخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، في ظل الدولة الإسلامية العظمى التي ضمت أُمما مختلفة وأصحاب ديانات ظلوا يمارسون شعائرهم في ظل الحماية الإسلامية ، وكان لسياسة هذه التسامح أن حظيت باحترام وتقدير المفكرين والمستشرقين المنصفين فعقدوا المقارنة بن تسامح الإسلام وتعصب الصليبيين.. يقول المستشرق ميشون في كتابه : « تاريخ الحروب الصليبية» : إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى ، وهو الذي أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وحرم قتل الرهبان _على الخصوص _ لعكوفهم على العبادات ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس ..و قد ذبح الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها "
ويزيد الباحث نفسه في كتابه ، "سياحة دينية في الشرق" ،، متحدثاً عن تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية ، وكيف أن المسيحيين تعلموا الكثير من المسلمين في التسامح وحسن المعاملة ، يقول :
"وإنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة ، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم ، كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد بينما يعامل المسيحون المسلمين معاملة السيئة اذ كانت الغلبة لهم فاين نحن من الاسلام وتعاليمه "
وكان لهذا التسامح أثره في أن يصبح الدين الإسلامي ديناً عالمياً ، بدءاً من مراحله الأولى أيام الرسول في جزيرة العرب إلى أن عم أماكن شاسعة، يقول المستشرق جولد تسهير :
"سار الإسلام لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة ، ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمراً محتوماً فإن المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشتية كان في وسعهم متى دفعوا ضريبة الرأس ( الجزية ) أن يمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية ، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم إنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية . بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة ، ففي الهند مثلاً كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل و المعابد في ظل الحكم الإسلامي "
عباد الله ايها الاخوة الاكارم :
لقد أثارت مبادئ الحرية الدينية في الإسلام فيما أثارته احترام المستشرقين المنصفين وكذلك الباحثين العرب المسيحيين الذين قدروا الأخوة المسيحية الإسلامية حق قدرها، وتطرق يوسف نعيم عرافة في خطبة له في عيد المولد النبوي عام 1346هـ 1927 م إلى معاهدة الرسول مع أصحاب الديانات الأخرى ، لاسيما المسيحيين منهم، فيقول :
" إن محمدا ً صلى الله عليه وسلمهو باني أساس المحبة والإخاء بيننا ، فقد كان يحب المسيحيين ويحميهم، من ذلك ما قام به في السنة السادسة بعد الهجرة ، حيث عاهد الرهبان خاصة والمسيحيين عامة ، على أن يدفع عنهم الأذى ، ويحمي كنائسهم وعلى أن لا يتعدى على أحد من أساقفتهم ولا يجبر أحداً على ترك دينه ، وان يمدوا بالمساعدة لإصلاح دينهم وأديرتهم ، كما أن القرآن نطق بمحبة المسيحيين للمسلمين وبمودتهم لهم ، وإن الآية الشريفة : (و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون[( المائدة : 82) ، لتبعث على شد أواصر الصداقة بين الطرفين ، بل حتى مع الشعب الإسرائيلي في أكثر الأوقات ، إننا لنعلم أن ما أتى به الرسل موسى وعيسى ومحمد( عليهم الصلاة والسلام) ما هو إلا لإصلاح العالم لا لإفساده وخرابه ، وما الكتب الثلاثة المنزلة إلا نور صادر من بؤرة واحدة ينعكس نورها في ثلاثة أشعة ، كل منها للبشر"
ومن مظاهر التسامح الديني في حضارتنا الاشتراك بالأعياد الدينية بمباهجها وزينتها. فمنذ العهد الأموي كانت للنصارى إحتفالاتهم العامة في الشوارع تتقدمها الصُلبان ورجال الدين بألبستهم الكهنوتية. وقد دخل البطريرك ميخائيل مدينة الإسكندرية في احتفال رائع وبين يديه الشموع والصُلبان والأناجيل، والكهنة يصيحون: قد أرسل الرب إلينا الراعي المأمون الذي هو مرقس الجديد. وكان ذلك في عهد هشام بن عبد الملك.
اخي المسلم يا عبد الله :
ومن الشواهد على عظة دين الاسلام وسماحته ما جرت العادة عليه أيام الرشيد بأن يخرج النصارى في موكب كبير وبين أيديهم الصليب وكان ذلك في يوم عيد الفصح.
ومن الغريب أن مثل هذه المظاهر من الود ظلت حتى في الحروب الصليبية حيث كان الغرب يشن أقسى الحملات التاريخية على بلاد الإسلام باسم الصليب، وهذا هو الرحالة ابن جُبير يقول لنا في رحلته: ومن أعجب ما يحدث أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان منهم ويقع الاصطفاف بينهم، ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض. واختلاف القوافل عن مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهي من الأمنة على غاية، وتجار النصارى يؤدون في بلاد المسلمين ضريبة على سلعهم، والاتفاق بينهم الاعتدال، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية والدنيا لمن غلب.
ويعد، التسامح الديني في حضارتنا مما لا يعهد له مثيل في تاريخ العصور الماضية، وقد أجمع المؤرخون الغربيون ممن يحترمون الحق على هذا التسامح وأشادوا به.
يقول المستر (درابر) الأمريكي المشهور: إن المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرد الاحترام، بل فوضوا إليهم كثيراً من الأعمال الجسام
ورقوهم إلى مناصب الدولة، حتى أن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنا بن ماسويه، ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم، ولا إلى الدين الذي ولد فيه، بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته من العلم والمعرفة.
ويقول المؤرخ الشهير المعاصر (ولز) في صدر بحثه عن تعاليم الإسلام: (إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة، ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي عما في أية جماعة أخرى سبقتها..) إلى أن يقول عن الإسلام: إنه مليء بروح الرفق والسماحة والأخوة.
ويقول (رينو) في تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط: (إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى، كما أن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير.
وإذا كنا قد توسعنا في التدليل على التسامح الديني في حضارتنا، فإنما نريد أن نرد فرية هؤلاء الغربيين المتعصبين على تاريخنا، بأننا كنا قساة أكرهنا الناس على الدخول في ديننا وعاملنا غير المسلمين بكل مذلة واضطهاد. وكان من الخير لهم أن لا يفتحوا على أنفسهم هذا الباب، فإن مخازيهم في التعصب الديني ضد المسلمين في الحروب الصليبية وفي إسبانيا وفي العصر الحاضر مما يطأطؤون منه رؤوسهم حياء وخجلاً، بل إن مخازيهم في اضطهاد بعضهم لبعض مما لا ينكره كل دارس للتاريخ.
ألست ترى معي أن قول غوستاف لوبون: (إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم) هو إنصاف للحق قبل أن يكون إنصافاً للمسلمين؟!
خطبة عن التسامح في الاسلام ( 1)