قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) ) سورة آل عمران
في الحادي والعشرين من آذار تجتمع علينا في الأردن مناسبتان عزيزتان حيث يوم الكرامة ويوم الأم ، يوم الكرامة ذلك الذي نصر الله تعالى جنده وأعزهم ودحر الأعداء وخيب آمالهم، فكان النصر أعظم ما قدمه جنود جيشنا العربي هديةً للأمهات في يومهن العالمي، وتأكيداً على أن هذه الأم هي مصنع الرجال الذين يفدون دينهم وأوطانهم بالمهج والأرواح وهم سياج الوطن المنيع ، تربوا على العزة والشموخ وروح الفداء فكانت صيحاتهم وما زالت ( الله أكبر ) فزلزلت الأعداء وكان النصر في يوم الكرامة وعلا صوت الحق وارتفعت راياته خفاقة في السماء وعلت زغاريد الأمهات تزف شهداء الوطن .
ايها الاحبة الكرام يا عباد الله:
إن معركة الكرامة صفحة من صفحات الكبرياء الأردني وصفحة مجد وعز سطره أبطال الجيش العربي الذين ساروا على درب الشهادة وقادوا الوطن للمجد والعزة، و كانوا على موعد مع النصر في فجر ذلك اليوم ، فحققوا النصر بعد النكسة وجلبوا النصر بعد الهزيمة ، إنهم جند قواتنا المسلحة الذين تنادوا للواجب لإعادة مجد الأمة وتاريخها المليء بالبطولة والتضحيات.
لقد تحقق في معركة الكرامة الخالدة ما أكد عليه القرآن الكريم من شروط النصر في الثبات والذكر والصبر والإخلاص وانتصر الحق بإذن الله قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) ) سورة الأنفال. وقال تعالى : (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وما النصر) سورة آل عمران الآية ( 126 ) ، إنه النصر الحق الذي لا خذلان ولا خسران ولا هزيمة معه والتأييد الرباني من الله يؤيد به من يشاء
ايها الاخوة الكرام يا عباد الله :
بأحرف من نور سجل أبطال جيشنا العربي الاردني في يوم الحادي والعشرين من اذار عام 1968 م ، نصراً مجيداً وتاريخياً ضد ترسانة جيش العدو الاسرائيلي وحطّم غطرسته وأجبره على طلب وقف اطلاق النار مُعترفاً لأول مرة في تاريخه وبعد اشهر معدودات على عدوان الخامس من حزيران 67 بهزيمته التي ظن أنها لن تحدث وأن عبوره نهر الاردن في اتجاه بلدة الكرامة لاحتلال سلسلة الجبال الاستراتيجية الشرقية، معتبراً انه بذلك يحصّن أمنه ويؤبد احتلاله وانتهت المعركة بمشئة الله عز وجل بالنصر على اليهود المستكبرين وكانت خسائر العدو على النحوالاتي :
عدد القتلى 250 قتيلا وعدد الجرحى 450 جريحاً أما الاليـــــات : تدمير 88 آلية مختلفة تمكن العدو من اخلائها وقد شملت 27 دبابة و 18 ناقلة و 24 سيارة مسلحة و 19 سيارة شحن .
20دبابة وآلية مختلفة بقيت في ارض المعركة اسقاط 7 طائرات مقاتـلة.ب . اما قواتــــنا الباســــلة :
فقد كان عدد الشهداء 87 شهيدا عدد الجرحى 108 جرحى الاليــــــات تدمير13 دبابـــــة تدمير 39 الية مختلفــة
ايها الاخوة المؤمنون يا عباد الله :
في يوم الكرامة بالمجد والفخار، يحيي الاردنيون جيشا وشعبا وقيادة ، هذه الذكرى بكل ما تستحق من اهتمام ومما يليق بها من نموذج حي ومتواصل على صلابة الجندي الاردني وارتفاع منسوب التضحية لديه دفاعا عن وطنه وشعبه وتاريخه والامانة التي استودعتها الامة لديه بان يحميها ويذود عنها ويرفع رأسها ويُبقي على الراية مرتفعة والكرامة محفوظة.
في ذكرى معركة الكرامة الخالدة سجل الاردنيون وقائعها المجيدة في كتابهم الوطني بدمائهم ودموعهم مسترشدين بمن سبقهم من القادة المسلمين الذين فتحوا هذه البلاد وما حفظه تاريخهم العظيم من معارك وحروب وانجازات ووقفات عز، اضافت كلها الى هذه الارض الطيبة والمعطاءة تاريخا مضيئا وامجادا جعلها تتبوأ القمم وتتقدم الصفوف وتكون الامثولة بشعبها الشجاع وجندها الاوفياء وقيادتها التي لا تعرف التردد ولا تقيم وزنا للتهديدات والغطرسة.
أيها الأحبة الكرام :
إن لذة الشهادة في سبيل الله لا يحصرها قلم، ولا يصفها لسان، ولا يحيط بها بيان، ولكن أن نتعرف إلى الشيء بملامحه وسماته، ففي هذا خيرٌ عظيم من عند الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا:( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) [التوبة:111] تأملوا هذه الآية العظيمة التي فيها شراء، وفيها صفقةٌ عظيمة، ولابن القيم كلامٌ أجمل مما نقول : المشتري هو الله، والمتفضل هو الله، والمنعم هو الله؛ خلق هذه النفس من العدم وأطعمها وسقاها وكفاها وآواها، ودفع عنها النقم، وأسبل عليها وابل النعم، ثم هو جل وعلا يشتريها من صاحبها ويبذل له عوضاً وثمناً ألا وهو الجنة؛ فيها مالا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا كان الثمن هو الجنة، فإنه لا يجتهد في هذه الصفقة أو أن يكون ممن يبتاعها إلا واحدٌ ممن عرف الثمن وعرف القيمة والعوض والمعوض.
أيها الإخوة المؤمنون :
هذا فضلٌ من الله، والله دعانا أن نستبشر بقوله: ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ { [التوبة:111] أي: اضمنوا أنها صفقةٌ رابحةٌ لا تَندُّم بعدها، لو أن أحداً اشترى بضاعةً أو عقاراً أو داراً، ثم عاد وخلا بنفسه وأخذ يقلب الحال، هل غُبن في هذه الصفقة؟ وهل اشتراها بأكثر من قيمتها؟ أما هذه فهي صفقةٌ مربحةٌ رابحة: ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [التوبة:111].
ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يتمنون الشهادة في سبيله لما لها من هذه المكانة العظيمة؛ فلا يعلمون عنها سوى الطريق الموصل لما أعدّ الله لهم من الجنات، فهذا حنظلة تزوج حديثاً وقد جامع امرأته في الوقت الذي دعا فيه الداعي للجهاد فيخرج وهو جنبٌ ليسقط شهيداً في سبيل الله، ليراه النبي بيد الملائكة تغسله ليسمى بغسيل الملائكة. ونحن إذ نتذكر هؤلاء الشهداء الذين إرتفعوا بأرواحهم إلى الله جل جلاله وفازوا برضوانه ، نحسدهم ، نغبطهم ، على ما حصلوا عليه من نعيم وعدهم به الله جل جلاله ، حيث يقول الله سبحانه في سورة آل عمران : ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (169/170) سورة آل عمران .
فأيّ نعيم بعد هذا النعيم ، أحياء وليسوا أمواتاً ، يرزقون ورزقهم من الله ومن ثم فهم فرحون بما أعطاهم الله ، ويستبشرون بإخوانهم القادمين عليهم وذلك لحبهم إنزالهم هذه المنزلة التي أنزلهم الله ، فلا حزن بل إستبشار وفضل ونعيم كيف وهي جنة الخلد التي هي دار الله وهم ضيوفه ، ليجدوا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
ويقول تعالى مؤكداً هذه الآيات وناهياً الذين يصفونهم بالأموات : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) (154) سورة البقرة .
نعم أيها الأحبة أحياء لا نشعر نحن بهم ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل إبن مسعود عن هذه الآية من سورة آل عمران ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) قال : أما أنا فقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل .. ) . ويقول الإمام إبن كثير في تفسيره لهذه الآيات : إن أرواح الشهداء كما جاء في صحيح مسلم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطلع عليهم ربك إطلاعة فقال : ماذا تبغون ؟ فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا قالوا : نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى لما يرون من ثواب الشهادة – فيقول لله عز وجل جلاله ( إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون ) .
أقول قولي هذا واستغفر الله فيا فوز المستغفرين استغفروا الله
الخطبة الثانية والدعاء
اعداد د . زهاء الدين عبيدات
تاريخ 27- 3- 2015 م
خطبة جمعة بذكرى معركة الكرامة