اللهُمَّ إنِّي أحْمَدُكَ وأُثْنِي لَكَ الحَمْدَ يَا جَلِيلَ الذَاتِ ويَا عَظِيمَ الكَرَمِ، وأَشْكُرُكَ شُكْرَ عَبْدٍ مُعْتَرِفٍ بِتَقْصِيْرِهِ فِي طَاعَتِكَ يَا ذَا الإِحْسَانِ والنِعَمِ، وأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِحَمْدِكَ القَدِيْمِ أَنْ تُصَلِّيَ وتُسَلِّمَ عَلَى نَبِيِّكَ الكَرِيْمِ وعَلَى آلِهِ ذَوِيْ القَلْبِ السَلِيْمِ، وأَنْ تُعْلِيَ لَنَا فِي رِضَائِكَ الهِمَمَ، وأَنْ تَغْفِرَ لَنَا جَمِيْعَ مَا اقْتَرَفْنَاهُ مِنَ الذَنْبِ والّلمَمِ، آمين، أما بعد-
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز
العدل قيمة إنسانية نادت بها كل الشرائع. أما في الإسلام فالعدل مبدأٌ يأتي مباشرة بعد التوحيد مثلما يأتي الظلم في رفضه مباشرة بعد الشرك بالله. والإسلام يعطي قيمة للمجتمع الذي يبسط العدل حتى إذا لم يكن مؤمنا. قال ابن تيمية في كتاب الحسبة: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة".
دعينا في الثلث الأخير من شهر يونيو إلى ملتقى في مدينة سانتاندير بالساحل الإسباني ملتقى شارك فيه علماء ومفكرون وساسة وخبراء من أمريكا وأوربا، وآسيا، وأفريقيا لمناقشة قضية التنمية والعدالة التي تجسدها المشاركة المجتمعية. وكانت النتيجة أن النمو الاقتصادي الذي تحققه زيادة الاستثمار والإنتاج ممكن حتى في مجتمع تتحكم فيه إرادة فرد واحد أو فصيل واحد؛ ولكن هذا النوع من المجتمعات عرضة للاضطراب لأن الفصائل المحرومة من المشاركة سوف تحتج على حرمانها، وعلى ما يلحق بها من ظلم وربما قاومت بالسلاح. أما إذا توافرت المشاركة المجتمعية في التنمية فإن ذلك يحقق تنمية بشرية عادلة ومستدامة. لذلك ينبغي أن تحرص المجتمعات على أعلى درجة من مساهمة فصائل المجتمع فيها، مساهمة لا تتوافر إلا ضمن آليات ديمقراطية. لذلك كانت التنمية في ظل النظام السوفيتي غير عادلة وغير مستقرة. وكذلك التنمية في البلدان العربية تنقصها المشاركة المجتمعية.
المشاركون في الملتقى توافقوا على هذه النتيجة وقرروا ضمن قرارات أخرى تجميع كافة البيانات التي تصدرها هيئات مختلفة حول الأنشطة الآتية: نصيب الفرد في الدخل القومي- درجة المشاركة الديمقراطية في الحياة العامة في البلدان- درجة احترام حقوق الإنسان في البلدان المختلفة- مقدار الشفافية وتجنب الفساد- مقدار احترام سيادة حكم القانون- مستوى التعليم ومحو الأمية- حالة المجتمع الصحية- ونسبة الصرف العسكري من الميزانية.. هذه البيانات التي تعني بها الآن هيئات متخصصة هي التي تدل أن البلد المعني فيه تنمية ومشاركة مجتمعية أم لا وبالتالي مجتمع سليم أم سقيم؟
وسوف تجمع هذه البيانات حول البلدان في كتاب واحد يصدر دوريا قياسا للأمن الاجتماعي للبلدان.
ثم اشتركنا في ملتقى القاهرة في الأسبوع الأخير من شهر يونيو. ملتقى القاهرة شارك فيه عدد من العلماء والمفكرين والكتاب من العالم العربي بهدف تكوين رابطة لكتاب التجديد. استعرض الحاضرون أزمة الفكر في العالم الإسلامي ورأوا أن الفكر مأزوم بسبب:
• أن النظم الحاكمة تحاول تسخير الإسلام لدعم شرعيتها دون مراعاة لمبادئ الإسلام في الحوكمة.
• أن بعض التيارات الإسلامية منكفئة على الماضي كأن الحاضر والمستقبل لا يعنيها.
• أن تيارات أخرى صارت تعتقد أن علتنا هي تقديس الوافد من الماضي فالمطلوب إقامة قطيعة معه للانخراط في العصر.
• وهنالك قوى الهيمنة الدولية التي تهتم بالشرق العربي من باب تأمين مصالحها وتعتبر الحرص على الهوية معيقا للهيمنة على المنطقة. لذلك ينادون بمشرعات أمثال الشرق الأوسط الجديد والشرق الأوسط الكبير باعتبارها مشروعات انتماء للموقع الجغرافي لا للهوية قومية كانت أو إسلامية.
وتأكد لنا أن هذه المواقف إما تقع في موقف الإفراط أو التفريط. لذلك اتفقنا على تكوين رابطة للأقلام المبصرة المبرأة من الإفراط والتفريط باسم رابطة كتاب التجديد. وهي رابطة تضم كل من ينطبق عليه هذا الوصف من الرجال والنساء وقد اتفقنا على نظام أساسي لهذه الرابطة وانتخبنا مجلس أمناء لإدارة شئونها.
والسؤال: ماذا يخص السودان من هذه القرارات؟ الجواب: إن المقاييس المقررة للعافية التنموية تصلح لقياس حال بلادنا. سوف يتضح لنا أن دخل الفرد في السودان قد زاد نتيجة لتصدير البترول. ولكن المقاييس الأخرى تكشف حالة سيئة وبالمقارنة مع دول أخرى تضع بلادنا في مرتبة دنيا. كذلك فيما يتعلق برابطة كتاب التجديد سوف يتضح أن ما حدث من تطبيق إسلامي جانب مقاييس التنوير في أمرين: الأول: التطبيق غيب مبادئ يقدسها الإسلام هي الكرامة، والحرية، والعدالة، والتسامح؛ بل ربط بين برنامجه الإسلامي والإكراه، والظلم، والفساد. كما أن التجربة السودانية سمحت لتنامي تيارات التكفيريين الجدد الذين كفروا أغلبية أهل القبلة: فمن نادى بتقرير المصير كافر، ومن تحالف مع علماني كافر، ومن انتخب امرأة كافر، ومن أجر منزلا لأعضاء الحركة الشعبية كافر، من أنكر نقاب النساء كافر. هؤلاء التكفيريون يغرسون الفتنة في المجتمع لا سيما وهم يهدرون دماء من يكّفرون. رابطة كتاب التجديد سوف تساهم في تبرئة الإسلام من هذه المواقف المجرحة لديباجة الإسلام الوضاءة.
الإسلام دين التوحيد والعدل والحرية والتسامح الذي وصفه نبي الرحمة: " الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ , وَالْمُهَاجِرُ مَنْ يَهْجُرُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ " (رواه البخاري)، وقوله: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ"(رواه مسلم). وقوله: "الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ" (رواه البخاري). وقوله: "أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟" ورد بقوله: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ ، وَصِيَامٍ ، وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"ر(رواه مسلم). من هذه المنطلقات ننادي بالإصلاح ونناصح الأمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)(التوبة الآية113) قال تعالى: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)(الأعراف الآية 156). واستغفروه واشكروه كما قال الرجل الصالح: "قد أصبح بي من نعم الله ما لا أحصيه من كثرة ما أعصيه فلا أدري أيهما أشكر: أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر؟ يا أرحم الراحمين أرحمنا.
2/7/2010
خطبة الإمام الصادق المهدي في مسجد الهجرة بودنوباوي/5