الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ[10]) هذه حقيقة علمية كيف لمحمد الأمي أن يعرفها لولا الوحي؟
نهر النيل نهر عظيم ومع أنه أطول نهر في العالم فإن تدفق المياه في جريانه يبلغ في المتوسط 85 مليار متر مكعب. النيل الأزرق ينحدر من الهضبة الأثيوبية ويساهم بـ 85% من مياه النيل. والنيل الأبيض ينحدر من الهضبة الاستوائية ويساهم بـ 15%. وفي عام1959م أبرمت اتفاقية بين مصر والسودان وزعت مياه النيل بينهما فأدى ذلك بعد إضافة الأنصبة القديمة ليكون نصيب مصر 55,5 مليار متر مكعب، والسودان 18.5مليار متر مكعب. هذا الاتفاق ثنائي وغابت عنه سائر دول حوض النيل وهي أثيوبيا، كينيا، يوغندا، تنزانيا، رواندا، بروندي والكنغو.
الاتفاق الثنائي قام على افتراضات أهمها:
- أن دول منابع النيل لكثرة الأمطار فيها لا تحتاج لمياه النيل.
- أن تلك الدول على أية حال ملزمة باتفاقيات دولية مقيدة لها.
- أن ما يقال عن مطالب لدول منابع النيل ليس موضوعيا بل نتيجة لتحريض آخرين على رأسهم إسرائيل.
- أن أية محاولة لتغيير الواقع الجاري سوف تردع بالقوة.
هذه الافتراضات خاطئة والاستمرار فيها يدفع بحوض النيل إلى الهاوية. في عام 1998م التقيت رئيس وزراء أثيوبيا وقال لي أعداد بلادنا من السكان تضاعفت، وصرنا نعاني من مجاعات، و التطور التكنلوجي يمكننا من الاستفادة من مياه النيل، ونريد أن نبحث ذلك مع دولتي المجرى (السودان) والمصب (مصر). ولكنهما لا يريدان التجاوب معنا، لذلك سوف يأتي يوم نحقق مصالحنا دون اتفاق معهما. وبعد أسبوع من ذلك اللقاء التقيت الرئيس المصري في القاهرة، وتطرق الحديث لمياه النيل فقال: لا نسمح لأحد أن يمس مياه النيل دون موافقتنا. منذ ذلك الوقت عكفت على دراسة ملف النيل واطلعت على كل المصادر المتاحة وألفت ونشرت كتابي: مياه النيل: الوعد والوعيد، وخلاصته:
- النيل سيادة مشتركة لكل دول الحوض.
- مصر والسودان لديهما حقوق مكتسبة تكفلها اتفاقيات قديمة وأحدثها اتفاقية 1959م.
- إن دول المنابع لم تعد تقبل الاتفاقيات القديمة مدفوعة بمستجدات لا يمكن إغفالها.
- إن علينا في مصر والسودان أن نقبل الحاجة لاتفاقية جديدة توفق بين حقوقنا المكتسبة ومطالبهم.
- إن علينا أن نحسن إدارة مواردنا المائية –مثلا- التخلص من الري عن طريق الغمر للري بالرش والتنقيط.
- إن علينا ألا نقف في أمر المياه في حدود تقسيم الحصص بل أن نهتم بقضايا التنمية والأمن الغذائي والطاقة وسلامة البيئة في كل حوض النيل.
- إننا إذا حققنا تعاونا بين دول الحوض نستطيع أن نحقق معادلة كسبية وأن نزيد من تدفق المياه.
- إننا إذا تجنبنا التعاون سوف نخلق مواجهات ومعادلة صفرية ضارة لنا جميعا.
- وتحقيقا لأهداف الوفاق والتعاون اقترحت اتفاقية شاملة من 21 بندا.
ولكن هذه الآراء لم تجد آذانا صاغية. وأثناء العشر سنوات الماضية جرت مفاوضات ركزت في المسائل الفنية ولكنها لم تحقق توافقا بين الحقوق المكتسبة والمطالب الجديدة. لذلك قررت أغلبية دول المنابع التوقيع على اتفاقية إطارية بحثت بنودها بين كافة دول الحوض وحال دون الإجماع عليها اختلاف على بعض البنود. منذ التوقيع على ذلك الاتفاق في منتصف شهر مايو الجاري تلوث مناخ حوض النيل- مثلا- ما قاله مدير الموارد المائية الكيني لمحطة الإذاعة البريطانية جون نيارد: "إذا لم يكن لدينا إطار متفق عليه للتعاون، فلن يكون هناك سلام". وما قاله وزير الري المصري: "مصر لديها الحق في اتخاذ ما تراه مناسبا للحفاظ على حصتها". وما قاله أويجه أفلاندرو رئيس منظمة طوعية معنية بمياه النيل: "كلما نتحدث عن المساواة تتحدث مصر عن الحرب في محاولة للضغط على البلدان الأخرى لتخضع لشروطها. لن نقبل لي الذراع". وما قاله فليكس كولايجي الضابط اليوغندي: "أوغندا بحاجة لطائرات حربية لأنها تواجه تهديدات من بينها الصراع حول مياه النيل". هذه المراشقات تخلق مناخا سقيما لذلك تنادينا ونحن نمثل جماعة غير حكومية مصرية سودانية فيها ساسة ومهندسون ومحامون لتكوين جسم غير حكومي يتصل برصفائنا في دول حوض النيل للقيام بمبادرة شعبية تملأ الفراغ الذي صنعه عجز الحكومات وانزلاقهم نحو هاوية الصدام الذي سوف تخسر كل أطرافه وفي النهاية لا بديل للاتفاق. وسوف ندعو للآتي:
- أن توقع كافة الدول على الاتفاق الإطاري، والإسراع بتكوين مفوضية للتفاوض حول ما يجب عمله لضمان الأمن المائي لكافة دول الحوض والاتفاق على تجنب أية أعمال تلحق الأذى بأحد الأطراف.
- قبول مبدأ تخصيص حصص لدول المنابع وهو مبدأ أقرته مصر والسودان وضمنته في اتفاقية 1959م ولا سبيل للتخلي عنه.
- ينبغي ربط المحاصصة بمشروعات زيادة تدفق مياه النيل وهي مشروعات عديدة أهمها مشروعات في جنوب السودان حسب تقديرنا يمكن أن تزيد تدفق مياه النيل بما مقداره 20 مليار متر مكعب بيانها:
- جونقلي (1) بحر الجبل = 5، جونقلي (2) بحر الزراف = 4، مستنقعات بحر الغزال = 7 ، السوبات = 4 تساوي 20
- عدم ضم مسألة المياه لبروتوكول الثروة في اتفاقية السلام من ثغرات تلك الاتفاقية وينبغي الآن إشراك حكومة جنوب السودان في الاتفاق الجديد.
- ينبغي ضبط الخط الإعلامي ووقف المراشقات الضارة بمشروع الوفاق.
سوف نسعى لخلق رأي عام إيجابي في تناول مياه النيل. ومن هذا المنبر أناشد حكومتي مصر والسودان بأمرين هما:
الأول: عدم عرقلة المبادرة الشعبية. والثاني: مراجعة إدارة الري ليمسك بهذا الملف في البلدين من هم أكثر تأهيل فني ودبلوماسي وسياسي، لكي يتمكنوا من نقل الحالة من معادلة الصدام الصفرية لمعادلة الوئام الكسبية. جاء في كتاب الله (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[11]) وقال الحكيم العربي:
الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني
فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلّ مكانِ
وَلَرُبّما طَعَنَ الفَتى أقْــــرَانَهُ بالرّأيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الأقرانِ
أحبابي.. انتقلت إلى رحمة مولاها السيدة أسماء حسن الخليفة شريف. كانت سيدة تقية نقية رحيمة ودودة وصديقة حميمة لوالدتي رحمة رحمهما الله رحمة واسعة فيما "لاَ عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خطر على قلب بشرٍ". اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا، وأهدنا وأهد أبناءنا وبناتنا واكتب الشفاء لمرضانا. (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)[12]. قوموا لصلاتكم وسووا صفوفكم (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)[13] إنه هو التواب الرحيم.
28/5/2010
خطبة الإمام الصادق المهدي في مسجد الهجرة بودنوباوي/4