الحمدلله الوالي الكريم، والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وآله وصحبه مع التسليم، وبعد-
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
غيابي عنكم بالجسد.ولكن الروح، والعقل، والقلب معكم وفي الغربة مشغول بهمومكم، فقد صارت كل قضايانا الوطنية مهجرة إلى الخارج. هجرها أننا جزء من عالم عربي وأفريقي وإسلامي تتداخل قضاياه، ولكن حتى قضايانا الداخلية انتقلت ملفاتها إلى جهات خارجية لأن ولاة الأمر عجزوا عن حل القضايا الوطنية بل ما من قضية إلا زادوها تعقيدا وتحملوا أوزارها بسبب العناد والانفراد. بينما كنا حتى في أعقد قضايانا: مسألة الجنوب نعالجها دون وساطات أجنبية، وأوشكنا على إبرام السلام مع الحركة الشعبية في 18/9/1989م تفاوضا بين السودانيين وحدهم. قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)[1] هذا التمييز له استحقاقات بيانها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[2] في الإسلام التشريف مربوط بالتكليف: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ[3]) تمييز بالمجان غير وارد. الوسطية معناها الأفضلية والأحسنية كما قال تعالى ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ[4]) أي أرشدهم. إذا قارنا بين القرآن وسائر الكتب المقدسة لما اختلف اثنان في أنه أفضلها، وإذا قارنا بين محمد (ص) وسائر الأنبياء لظهر أنه إمامهم، ولكن إذا قارنا بين الأمة الإسلامية اليوم وسائر الأمم لوجدناها في الذيل. قال محمد أسد النمساوي اليهودي الذي أسلم: الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين، وكذلك قال آخرون مثل الفنان الشهير كات ستيفن. خريطة المسلمين اليوم تقوم على الآتي:
• تدين صوفي منطلق من تاريخ ناصع لأن الصوفية حفظوا روح الإسلام الندية في وجه فقهاء الظاهر، وحافظوا على الإسلام إبان حكم الطغاة في كل مكان، ونشروا الإسلام سلميا. ولكن كثيرا منهم الآن تخلوا عن رسالة التصوف الحقيقية وجعلوا طرقهم بقالات في أسواق الحكام.
• والحكام دجنوا مؤسسات وجامعات ومعاهد التعليم الديني وصيروها أبواقا لأناس (يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ).
• آخرون رفعوا شعار الإسلام سلما للسلطة وأفرغوه من مبادئ كرامة الإنسان والحرية والعدالة وربطوه بالقهر والظلم والعنف والفساد.
• واقتحم ساحة الإسلام غلاة أتوا أقوالا وأفعالا ضارة بالإسلام والمسلمين: خمسون عالما أصدروا بيانا كفروا فيه من ينادي بتقرير المصير للجنوب، وأعلنوا أن من يصوت لمسيحي أو علماني يخرج من الإسلام. أما علموا أن هذه الأفكار هي التي جعلت الجنوبيين يطالبون بتقرير المصير؟ وهي نفسها الأفكار التي ستجعلهم يختارون الانفصال لدولة عدائية؟
• وعلى نفس المنوال أصدر المجلس العلمي لأنصار السنة بيانا يكفرون فيه من ينتخب مسيحي أو امرأة.
• وجماعة الكتاب والسنة أعلنت حرمة التداول السلمي على السلطة وأن حاكمنا اليوم وحده هو الشرعي ولا يخلفه أحد إلا كما خلف عمر أبا بكر (رض) وأن من خالف هذا النهج يقاتل!
• ونشر منبر السلام العادل لافتات تخوّن وتفسّق وتدين بألفاظ عنصرية من يوالي الحركة الشعبية.
هؤلاء التكفيريون الجدد يحظون للأسف بحماية المؤتمر الوطني الذي يوالونه، وهم الذين يقدمون لأعداء الإسلام والسودان أكبر خدمة. دعا موسى ترجي ضابط الأمن الإسرائيلي، وبعده لافي رختر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي إلى ضرورة تفكيك الدول العربية إلى دويلات على أسس ملية وعرقية. وآخرون على صعيد العالم الإسلامي جهروا بمقولات تخدم أهداف الأعداء:
- أعلن يونس الأسطل واجب قتل المدنيين الغربيين إلحاقا لهم بظلم حكوماتهم. مع أن كثيرا من الشعوب الغربية ناصروا قضايانا. فأيدوا بذلك ما يقول عتاة أعدائنا مثل برنارد لويس: إن المسلمين لا يعرفون صديقا أو حليفا فإما أن تسلم أوأنت عدوهم الواجب قتاله!
- محمد الفاسي أجاز للمسلمين المقيمين في الغرب قتل أهل الديار لأنها دار حرب. فأعطى حجة قوية للمتطرفين الغربيين الذين يطالبون بطرد المسلمين من بلدانهم.
- وقال أنور العولقي إن ما فعله نضال حسن الذي قتل 13 من زملائه في الجيش الأمريكي عمل مجيد، وحرّض كل المسلمين في الجيش الأمريكي أن يحذوا حذوه، مما يعطي مبررا لطرد المسلمين.
هؤلاء سواء السودانيون منهم أو الآخرون جنود بقصد أو بدون قصد لأجندة أعداء الدين والوطن. حقا:
لا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
أقوال هؤلاء قديما وحديثا هي التي دفعت كثيرين للقول إن الإسلام هو سبب تخلف المسلمين فقال قائلهم: أنا معجب بالغرب كافر بالشرق! وقال آخر علينا اتباع الغرب في الخير والشر لأنه مستقبل الإنسانية.
ومثلما كان موقف التكفيريين إفراط فإن موقف المتغربين تفريط. وقديما قال ابن القيم رحمه الله: "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له"[5]. وقال: "الفقيه الحق من يزاوج بين الواجب والواقع، فلا يعيش فيما يجب أن يكون، مغفلاً ما هو كائن ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر".
وفي إطار الدعوة للإسلام فإن الدعوة المهدية قدمت للإسلام خدمة جليلة في مجالات أهمها ثلاثة:
أولا: حصر القدسية والواجبية في قطعيات الوحي من كتاب وسنة وتجريد ما عداهما من أية إلزامية فهم رجال ونحن رجال وعلينا أن نجتهد كما اجتهدوا.
ثانيا: إعطاء الحركة في أحكام الإسلام شرعية على أساس: لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال.
ثالثا: تحرير الدعوة المهدية من استحالة عودة شخص غاب منذ 14 قرنا، وتحريرها من عدم الجدوى، فما معنى أن ينتظر الإصلاح الديني إلى آخر الزمان؟ وما جدوى الهداية في آخر الزمان؟ لأنه تعالى يقول: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيَمانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيَمَانِهَا خَيْراً[6]). هذا المفهوم الوظيفي للدعوة هو الذي مكن الإمام عبد الرحمن من إحيائها في ثوب جديد. وهو الذي يجعلنا اليوم نرفع راية الدعوة بموجب المحامد السبع، وهي:
أولا: تطوير الأحكام لاستيعاب مستجدات الزمان والمكان بآليات: العقل، والمصلحة، والحكمة، والإلهام، والسياسة الشرعية، والمقاصد.
ثانيا: توسعة آفاق المعرفة من كافة مصادرها: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة.
ثالثا: سنن الطبيعة هي كتاب الله المنشور، واكتشافها في كل المجالات النفسانية، والانثروبولوجية، والاجتماعية، والطبيعية تمكننا من الهجرة للعصر الحديث وكفالة حرية البحث العلمي والتكنلوجي.
رابعا: الالتزام بحقوق الإنسان وكلها تتفرع من خمسة أصول: كرامة الإنسان، والحرية، والعدالة، والمساواة، والسلام.
خامسا: التطلع للحكم الراشد الذي يقوم على أربعة أسس: المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون.
سادسا: التطلع لاقتصاد يحقق الكفاية والعدل.
سابعا: التعامل مع الأديان الأخرى تسامحا، وتعايشا، على أساس (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[7]) ومع الدول الأخرى على أساس: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[8](. مجال التسامح هذا يمكننا من حرية هجرة تكنلوجيا الغرب إلينا. ومن هجرة ثقافة تحمل إليه بعدا روحيا وأخلاقيا يحتاجه. نحن اليوم ومن منطلق أنصار الله نتضامن مع تيارات إسلامية مماثلة. وفي السودان سوف نكون جماعة للفكر والثقافة الإسلامية تضم كافة الذين يلتزمون بصلاح وإصلاح إسلامي يواجه الغلو والاستلاب بمنهاج السراط المستقيم. قال نبي الرحمة (ص): "خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا"[9] أي أرشدها. استغفروا الله فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
28/5/2010
خطبة الإمام الصادق المهدي في مسجد الهجرة بودنوباوي/3