الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قدمنا إلى الجنوب للمرة الثالثة منذ اتفاقية السلام، تلبية لدعوة من حكومة الجنوب للمشاركة في إعلان دولة جنوب السودان التي نتمنى لها النجاح في حكم يوفر الأمن، والعدل، والحرية، والسلام لأهلنا في الجنوب ونؤمن إيمانا قويا بأن الواهم كل الوهم من يظن أنه سوف يسعد إذا كان جاره شقيا، فالأمن والسلام والرخاء في بلدينا واحد لا يتجزأ، مشترك لا يتبعض.
ومع ذلك ففي القلب حسرة على ما فاتنا من وحدة كانت ممكنة إذا توافرت استحقاقاتها، وفي القلب أمل أن يصحب الفصال الدستوري وصال مجتمعي ترفده عوامل كثيرة.
عيناي واحدة ترى مسرورة بحضورها جذلى وأخرى تذرف
أما سبب الحزن فهو ما فاتنا من المحافظة على سودان المليون ميل مربع المتنوع في مظلة الوحدة، السودان الواصل لما فصلته الصحراء الكبرى، السودان التجسيد المصغر لقارته الإفريقية.
أما السرور فسببه أن قطاعا هاما من إخوتنا في الوطن قد حققوا تطلعاتهم، ما قد يزيل عقبة نفسية من الطريق إلى مستقبل أخوي يرى الجاران فيه مصلحة مشتركة.
ففي عالم اليوم استطاعت بلدان كثيرة أن تحصر السيادة الوطنية في قوالب دستورية بينما تحقق تواصلا مجتمعيا بصورة تمثل حكمة العقاد:
لئن أنا أحمدت اللقاء فإنني لأحمد حينا للفراق أياديا.
أحبابي
التسامح أحد مفردات مكارم الأخلاق كالصدق والوفاء، والحكمة، والعفة، والكرم، وغيرها. مكارم قدستها كل ثقافات البشر حتى قبل الإسلام لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا بُعثتُ لأتمّمَ صالحَ الأخلاقِ" .
والتسامح قيمة خلقية أصيلة في تعاليم الإسلام إذ قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ، وقا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ).
ونظرة الإسلام لأهل الكتاب نظرة تسامح حميد. قال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءًمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115))
ومع ذلك فإن كثيرا من المسلمين غيبوا التسامح وغرقوا في التعصب.
غزو التتار لبلاد المسلمين جعل بعض المسلمين يعرضون عن التسامح ويقولون إن آية السيف، ومعناها في نظرهم أن واجبنا أن نخير غير المسلمين بين الإسلام أو الجزية أو القتال، قالوا هذا الآية قد نسخت كل آيات التسامح في القرآن.
ففي نظرهم كفر الآخرين هو سبب قتالهم. والحقيقة الإسلامية هي أن سبب القتال ليس اختلاف الدين بل العدوان كما قال تعالى:(أًذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) .
وعندما نشأت الدولة المستبدة لحكم المسلمين عزز الإستبداد التعصب وصار المتغلب يفرض سلطانه على الآخرين.
جلوا صارما ومضوا باطلا وقالوا أصبنا فقلنا نعم!
وبالمقابل هناك تعصب في الأديان الأخرى: تعصب يهودي لا يعترف بالأديان الأخرى. ويعمد اليهود شعب الله المختار.
وتعصب مسيحي يعتبر من لا يؤمن بفداء السيد المسيح ساقط الإنسانية.
التعامل بين الأديان على أساس التعصب في عالم اليوم لم يعد ممكنا. التعصب الديني والثقافي في عالم اليوم يؤدي إلى حروب أهلية بداخلها، وإلى حروب بين الدول.
وحتى بعد قيام دولة الجنوب المستقلة ففي دولة الشمال وفي دولة الجنوب تنوع ديني وثقافي، تنوع لن يزول لأنه جزء من نظام الكون إذ قال تعالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) ، وقال:(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) .
التنوع حتمي والقضاء عليه بالقوة مستحيل، والحل الوحيد الذي يوجبه الإسلام وتوجبه منظومة حقوق الإنسان العالمية التي اهتدت إليها الإنسانية بعد طول نضال هو قبول الآخر والتعايش والتسامح كما قال تعالى: (لا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )، وقال:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ).
الهداية الدينية، والحكمة، والتجربة الإنسانية كلها توجب أن يتنادى القادة الدينيون في السودان الشمالي والجنوبي لكتابة ميثاق تعايش ديني نقترح له البنود الآتية:
أولا: الدين ضرورة للإنسان يحقق له الطمأنينة النفسية، و الرقابة الضميرية، والحصانة الأخلاقية، والتماسك الإجتماعي.
ثانيا: كفالة الحرية الدينية للكافة واجب فلا إكراه في الدين.
ثالثا: اعتراف متبادل بالأديان وبحق أتباعها في ممارسة عباداتهم وشعائرهم بلا موانع.
رابعا: النظام السياسي الذي نقبله هو الذي يكفل أمرين: حقوق المواطنة، وحقوق الاعتقاد الديني.
خامسا: لكل أصحاب ملة الحق في الدعوة لدينهم والعمل على تطبيقاته بالتي هي أحسن ما داموا يلتزمون بحقوق المواطنة للكافة ويتجنبون الإكراه.
سادسا: على كافة الأديان احترام حقوق الإنسان المتفرعة من خمسة أصول هي: الكرامة، الحرية، العدالة، المساواة، والسلام.
سابعا: الاعتراف بالتنوع الديني والتعايش يصحبه ميثاق يعترف بالتنوع الثقافي وكلاهما يمثلان حقوقا أصيلة من حقوق الإنسان.
لقد كان إغفال بروتوكول ديني وبروتوكول ثقافي من فجوات اتفاقية السلام.
إن مبادئ ميثاق ديني وثقافي مهمة للسلام الإجتماعي في دولتي السودان وفيما بينهما. ونحن في هيئة شئون الأنصار سوف نخاطب القيادات الدينية في دولتي السودان بهذه المطالب.
كثير من البلدان في إفريقيا، وفي الشرق الأوسط، وغيرها تواجه مشاكل التعايش بين الأديان فإذا أفلحنا في الاتفاق على هذا الميثاق الديني نكون قد ساهمنا في بناء السلام الاجتماعي على نطاق واسع في العالم.
و"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً فله أَجْرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها" كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم.
وقال: استغفروا الله، فالاستغفار مخ الدعاء
9/7/2011
خطبة الإمام الصادق المهدي في مدينة جوبا الجمعة الموافق 8/7/2011م/1