إن الارهاب من أبشع الجرائم التي تهدر حق المجتمعات في الأمن والاستقرار، وتهدر حق النفس ولذلك كان الوعيد الشديد لمن يعتدي علي النفس الانسانية في الحياة قال: رسول الله صلي الله عليه وسلم «أبي الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة« رواه الطبراني في «معجمه الكبير» والحافظ ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي في كتاب: «الأحاديث المختارة».
«ولقد أنزل الله تعالي في شأن القاتل من الوعيد ما لم ينزل في غيره، فقال تعالي:«ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما». وإذا كان هذا هو جزاء قاتل الغير، فإن جزاء القاتل لنفسه قد صوره الرسول صلي الله عليه وسلم في صورة رهيبة تدل علي بشاعته، روي أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجا «أي يضرب بها نفسه ـ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسًمّ في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخالداً فيها أبدا، ومن تردي من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً»وهكذا تصور لنا السنة النبوية الشريفة هذا النوع من القتل وهو «جريمة الانتحار»بصورة أليمة من العذاب يوم القيامة.
فعلي الشباب وغيرهم ممن تضيق بهم الحياة، أو يستولي عليهم عامل الغضب، وأحوال الضعف النفسي فيحاولون الإقدام علي تلك الجريمة عليهم أن يقووا من ايمانهم أولا فإن ضعف الإيمان وفقدان الرجولة، ومحاولة الانسحاب من الحياة والتخلص منها بتلك الصورة البشعة كل ذلك من أسباب اليأس الذي يؤدي الي تلك الجريمة «الانتحار» وإذا عرفنا أسبابها، فإن العلاج منها لايكون إلا بتقوية الايمان فيوقن الانسان أن كل شىء بقضاء الله وأن أحوال الدنيا لا تثبت فكم من فقير اغتني وكم من مخفق في سعيه نجح بعد ذلك وكم من تجارة كاسدة رزق الله صاحبها الربح أضعافا، فليس لمن أصيب بشىء من ذلك أن يفقد الأمل بل عليه بالصبر الجميل «إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب».
إنه يتمثل في ظاهرة «الثأر» فان بعض الناس من أهل القتيل يتخذون من ظروف القتل ذريعة لارواء احقادهم، وتحسين الفرص لاهدار الدماء فتسيل الدماء علي مذابح الاضغان العائلية، فبين الحين والآخر يهدر دم من هنا ودم من هناك؛ لهذا كله شرع الإسلام القصاص؛ ليكف الجاني أولا عن جنايته حين يعلم أنه سيدفع حياته ثمنا لحياة من يقتله، وأيضا فبالقصاص ينتهي شفاء نفوس أهل القتيل من الحقد ومن الرغبة في الثأر.
ولكن ما حكم القاتل بالنسبة إذا تاب؟ هل تقبل توبته أم لا؟ وللإجابة عن هذا السؤال، نقول: إن فريقا من العلماء قد وقف عند ظاهر الآية الكريمة: «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما» فرأوا أن توبته غير مقبولة، وقد روي ذلك عن ابن عباس وزيد بن ثابت وغيرهما. والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، إن تاب وأناب وعمل عملا صالحا؛لقول الله تعالي: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» ويقول تعالى «يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما» ولقوله تعالي: «قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم».
ولكن ليس معني هذا، أن أمر القتل والتوبة بعده يسير أو هين لا، فإن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: «لزوال الدنيا أهو علي الله من قتل امرئ مسلم: وإنما المراد بالتوبة أهون: أن يقف الجاني وألا يستولي عليه اليأس من الرحمة فتتحول حياته إلي صورة عدوانية فأمامه باب التوبة.
كما يتضح تقدير الإسلام واحترامه لحرمة النفس حتي وإن لم يكن صاحبها مسلما، فعندما مرت جنازة علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقف لمرور الجنازة فقيل له: يا رسول الله إنها جنازة رجل يهودي فأجاب عليه الصلاة والسلام قائلا: أو ليست نفسا؟ وهكذا تتجلي أهمية النفس وحرمتها، ومكانتها ومنزلتها في الإسلام وأن أي عدوان عليها يعتبر عدوانا علي الإنسانية جمعاء.. وكل هذا من أجل أن تعيش المجتمعات الإنسانية في سلام واطمئنان، وفي استقرار وأمان.
مجلة منبر الاسلام
الكاتب