أسامة شحادة
معركة حامية تدور اليوم بين أهل العلم الشرعي، وصنفين من الناس متناقضين هما: غلاة التطرف الديني، وغلاة التطرف العلماني. فأهل العلم الشرعي يخوضون معركة كبيرة مع غلاة التطرف الديني، الذين تمثلهم التنظيمات العسكرية التي تكفّر وتفجر الأبرياء والمسالمين ظلماً وعدواناً، بسبب الجهل والتأويل الباطل، كما بسبب الاختراق والتوجيه الخبيث من قبل جهات متعددة، محلية وإقليمية وعالمية. ومن آخر أخبار ذلك، فبركة كثير من مقاطع عمليات نسبت إلى "القاعدة" و"داعش"، من قبل جهات تابعة لوزارة الدفاع الأميركية، كما ثبوت علاقات الروس و"داعش" في تبادل حماية مشروع الغاز في سورية.
وتدور رحى هذه المعركة بين العلماء والغلاة، كـ"داعش"، على بيان حقيقة الإسلام، وكيفية فهم أحكامه ومصالحه، ومن يقوم بها، وكيف يقوم بذلك، وردّ جهل وعدوان الغلاة والمتطرفين الذين يعيدون معظم أخطاء الخوارج السابقين وكوارثهم.
في المقابل، يخوض أهل العلم الشرعي معركة أخرى مع غلاة العلمانية الذين يريدون استئصال الإسلام بذاته من حياة المسلمين، سواء كان ذلك بطريقة خشنة أو ناعمة. ومن صور حرب غلاة العلمانية الناعمة على الإسلام، الاختباء تحت شعار جميل هو "تجديد الدين" أو "تجديد الخطاب الديني"، لكن حقيقة مطلبهم تبديل الدين أو تعطيله!
تجديد الدين نصّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "إن الإيمان ليَخْلَقُ في جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوب، فاسألوا اللهَ أن يُجددَ الإيمانَ في قلوبكم" (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني). ومعنى "يَخْلَقُ"، أي يبلى ويضعف. والتجديد هنا يعني عودة الدين ليشرق في القلب والروح، وينعكس على الجوارح، بمزيد من الطاعة والإقبال على عمل الطاعة والخير والمعروف.
وأيضا روى أبوهريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يُجددُ لها دينَها" (رواه أبوداود والحاكم والطبراني والبيهقي، وصححه الألباني). وهذا أمر متحقق في تاريخ الأمة بظهور العلماء الأفذاذ الذين ينشرون الحق ويدفعون الباطل كلما فترت همم الناس وانتشر الجهل والبدع والخرافات، فيقوم أهل العلم والفضل بنشر الدعوة والعلم حتى تعود الأمة لسبيل ربها.
والتجديد هو المحافظة على الجوهر وإعادة إبرازه. وهو مفهوم واضح للناس في حياتهم اليومية؛ فتجديد السيارة أو البيت أو الأثاث هو إعادة الشيء إلى ما كان عليه وإصلاح ما خرب أو تعطل. وتجديد الدين هو إعادة الدين الصحيح لحياة الأمة، بنفض الجهل والبدع والتحريف المقحم على الدين، وإعادة إحياء العمل بما تُرك من أحكام الدين بسبب الغفلة أو الهوى.
وجميع المسلمين والعقلاء المنصفين من أي ملة ودين، يقرّون أن الإسلام تمثل في أحسن صوره ومعانيه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم مع توسع رقعة الإسلام وتضاعف عدد المؤمنين به، حصل نوع من التقصير بسبب تكاسل بعض المسلمين الجدد عن فهم حقيقة الإسلام، واختلاط أديانهم السابقة بالإسلام، فتولد من ذلك مزيج غريب! وأيضاً، فإن بعض من خسروا مراكزهم القيادية الدينية والسياسية من الشعوب الوافدة للإسلام عمل على تحريف الدين والإسلام نكاية بالإسلام، أو لتحصيل مكاسب باسم الدين الجديد! وهذا التوظيف المخادع للدين للإضرار به وبالمسلمين، مارسه الكفار والمنافقون من قبل، قال تعالى: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (آل عمران، الآيتان 71 و72).
من هنا، فإن من رحمة الله عز وجل بالعالمين، بعد ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، أن جعل لهم على رأس كل مئة عام من يقوم من أهل العلم الصادقين بمهمة تجديد الدين مما علق به من إضافات سلبية أو تحريف وتحوير لبعض مفاهيمه، أو نسيان لبعض سننه وشعائره، وذلك ببث العلم ونشره، وتربية الناس على الدين الحق والدفاع عنه في وجه خصومه، والعودة بالناس للحالة الأصيلة للإسلام، والتي شهدها عصر النبي صلى الله عليه وسلم، والتي أشرقت أنوارها على البشرية ومتعت بالسعادة في ظلها وما تزال.
ونعمة التجديد للدين هذه هي من أعظم الأسباب التي حافظت على حياة الأمة الإسلامية في وجه التحديات والأخطار التي واجهتها عبر تاريخها، والتي مكنتها من النهوض والقيام بعد كل ضعف ومحنة.
واليوم، فإن الإسلام بحاجة إلى تجديد جديد يعيد له نضارته وقوته وحيويته، وذلك بعد أن انتشرت المناهج المنحرفة في فهم الدين، وأصبح لها منابر إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر المحطات الفضائية وغيرها. فأفكار الغلاة والمتطرفين من الخوارج لها بريق يخطف عقول السذج والشباب العاطفي المتحمس الذي يكاد ينفجر بسبب الظلم الواقع على أمة الإسلام. وأيضا دعاة الطائفية البغيضة والفرق الهدامة لهم فضائيات متعددة تحظى باستضافة الأقمار الصناعية الغربية والإسرائيلية لتزيد في تفريق الأمة وتشتيتها! وأيضا عندنا منابر دعاة الرذيلة والفجور!
ومع حاجة الأمة لتجديد دينها وتجديد خطابها الديني ليتفوق على خطاب غلاة التطرف الديني وغلاة التطرف العلماني وغلاة التطرف الإباحي، وجدنا غلاة العلمانيين يحاولون خطف شعار تجديد الدين وتجديد الخطاب الديني بحجة محاربة غلاة التطرف الديني، لكن حقيقة ما يطرحون هو تبديل الدين أو تعطيله!
فكيف يجدد الدين من لا يؤمن به؟! وكيف يجدد الدين من يراه في أحسن حالاته خيالات نفعت بعض الناس مدة من الزمن، لكن اليوم وفي عصر ما بعد الحداثة لا مكان للدين؟!
كيف يجدد الدين من يريد أن يبطل أركانه، إما بتأويل باطل للقرآن الكريم والسنة النبوية يجعل الحق متعددا، والله عز وجل يقول: "... فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ..." (يونس، الآية 32)، أو يجعلون الحق والباطل أو الله عز وجل وإبليس وجهين لعملة واحدة! على غرار فعل غلاة التطرف الديني في تأويل القرآن الكريم والسنة النبوية تأويلات باطلة لتكفير المسلمين ومن ثم قتلهم وعموم الناس!
كيف يجدد الدين من يسعى، وبكل طاقته، إلى جعل الدين قضية شخصية بحسب معايير علمانية، بينما الدين في الإسلام صبغة شاملة للحياة للفرد والمجتمع "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأنعام، الآية 162).
كيف يجدد الدين من يسعى لإباحة الربا والله عز وجل يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..." (البقرة، الآيتان 278 و279)، ويسعى لمحاربة الحجاب وتزويره ليصبح الحجاب فتنة وتبرجا بذاته، ويسعي لتغيير أحكام الله عز وجل في مسائل الزواج والطلاق والميراث بحجة الدولة المدنية والمواثيق الدولية! ويسعى لاعتبار الطعن في المقدسات والدين حرية تعبير ورأي!
كيف يجدد الدين من يدعو لتجديد الدين باستخدام أدوات من خارج نطاق الدين؟ ألم يقرأ قوله تعالى: "... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا..." (المائدة، الآية 3).
هذا التجديد في الحقيقة هو هدم للدين ونقض للإسلام، ولكن باسم تجديد الدين وتجديد الخطاب الإسلامي. وهذا التجديد للدين يماثل قيام بعض الجهلة بتجديد معلم أثري بتغيير ترتيبه وتقسيمه وطبيعته ومداخله ومخارجه وهدم بعض جوانبه وإضافة مرافق جديدة ومخالفة لهويته، واستخدام الإسمنت في صب جدرانه بدلاً من حجارته، ثم الزعم أنهم جددوا هذا المعلم أو رمموه!
هذا كان هو التجديد الباطل للدين من قبل أعدائه وخصومه ولأغراض هدمه وتحريفه وعبر أدوات غريبة عنه، أما التجديد الحق فهو: بنشر العلم الشرعي الصحيح الذي يبطل تأويلات الغلاة والمتطرفين، كمنظري جماعات العنف ومنظري غلاة العلمانيين، وإزالة الخرافات والبدع الدخيلة على الإسلام التي توارثها الناس من دون دليل صحيح، والتمسك والعمل بكل ما ورد في الدين من مفاهيم وأعمال وفضائل وأخلاق. ويقوم بهذا التجديد الصادقون من أهل العلم وأعوانهم بالحكمة والمعرفة.
وتجديد الخطاب الديني مطلب ملحّ، والغاية منه تجويد وإحكام وإتقان أساليب الدعوة الإسلامية لتحقق مراد الدين، وهو إرشاد الخلق للخالق سبحانه وتعالى. وذلك يكون بامتلاك العلم الصحيح والأسلوب السليم والجذاب.
إن تجديد الدين اليوم على يد العلماء المخلصين هو واجب الوقت مع كثرة التحريفات من الداخل والخارج، وكثرة الفتن ومنابر الشر التي تستهدف الأمة ودينها. وعلى كل مسلم ومسلمة أن ينتبها للمعركة الجارية على الدين بين علمائه المخلصين الذين يدافعون عنه بكل غالٍ ونفيس، وبين من يطعنون في الدين بتأويلات باطلة من غلاة المتطرفين العلمانيين والمتدينين.
الكاتب