شكلت الانتخابات الرئاسية الفرنسية اهتماما اوروبيا وعالميا منقطع النظير لانها تحدد ليس مستقبل فرنسا وتوجهاتها السياسية والاديولوجية فحسب بل الاتجاه الذي يمكن لاوروبا قاطبة السير نحوه .
انها امتحان صعب وحساس بين اليمين الاوربي الشعبوي المتشدد الصاعد و بين التطلعات التقليدية الاوربية ذات اللون الليبرالي والتي تتراجع مقاعدها في البرلمانات الاوروبية وفي الشارع السياسي .
ان انتخاب الرئيس اليميني الشعبوي ترامب في الولايات المتحده شكل هزة كبيرة في العالم هذه الهزة شجعت اليمين المتشدد والانعزالي لرفع راسه في اوروبا ومناطق اخرى من العالم ليلتقي مع الحركات والتوجهات اليمنية الانعزالية والمتشدده التي تتطلع الى القفز على السلطة والتي اصبحت ترتبط مع بعضها البعض في سلسلة عولمة يمنية في "تنظيم دولي " مثل نظام الاواني المستطرقه .
ويلعب نظام بوتين الروسي دورا ماكرا في تغذية الجماعات والاحزاب اليمنية العنصرية في اوروبا ماليا واعلاميا مقدما نفسه وبلاده كبديل عن "دول العالم الثالث " سواء في الطاقة الخام او السوق التجاري او اليد العاملة "البيضاء " التي تؤمن بالثقافة والمعايير الاروبيه !!!.
ان الهزة التي احدثها فوز دونالد ترامب كان عليها ان تقلب الطاولة على اوروبا العلمانية الليبرالية التقليديه لو نجحت المرشحة اليمنية العنصرية ماري لوبين .. ذلك ان الانتخابات الالمانية التي ستجري قريبا هناك تنافس حاد فيها بين احزاب اليمين العنصري صاحب التوجهات ذاتها و بين المستشارة ميركل صاحبة التوجهات الاوربية الليبرالية رغم انها هي الاخرى من تيار اليمين الوسطي .
وبسبب صعود شعبية اليمين وانتشار خطابة الديماغوجي بالحرص على نقاء العنصر الاوربي الابيض من "تلوث" المهاجرين من العالم الثالث والذين "ينقلوا الارهاب والجهل والمرض والكسل " اي انهم يلصقوا بالمهاجرين واغلبهم مسلمين ليس الارهاب فقط بل العادات والسلوك السيء واخذ الوظائف والمهن من الاوربيين الذي تزداد عندهم نسبة البطالة لا سباب تتعلق بالضمور الاقتصادي والازمة المالية العالمية اساسا .
لكن البحث عن متهم في شكل الانسان الملون والمسلم اصبحت مادة ملائمة ومقبولة في الوسط الاوربي المعروف ببراغماتيته ونظرته المادية للامور.
وامام هذه التحديات والاخطار في صعود اليمين المتطرف والعنصري فان الاحزاب الاوربية الاخرى سواء من اليمين المعتدل او احزاب الوسط والجماعات الليبرالية اضطرت ان توحد جهودها وتقف صفا واحدا اامام صعود اليمين العنصري .
وبما ان اليمين العنصري الفرنسي المتمثل في حزب "الجبهة الوطنية " برئاسة السياسية المثيرة للجدل ماري لايبين هي الاقوى نسبيا من بين الاحزاب العنصرية الاوربية فان اليمين الاوربي المتطرف وبدعم مباشر من روسيا بوتين سخروا كل جهودهم لانجاح مرشحتهم . ذلك ان نجاحها سيعني نجاحهم في المانيا و في بريطانيا و في دول اوربية اخرى ستشهد انتخابات عامة حتى نعاية هذا العام .
و في المقابل سعت الاحزاب والقوى السياسية والاعلامية والاقتصادية الاوربية "الليبرالية " المعتدلة برص صفوفها واختيار المرشح الانسب لدعمه بكل قوة امام السياسية الماكرة وسليطة اللسان السيدة لابين . فوقع الخيار على الشاب الوسيم الطموح والمصرفي الناجح امانويل ماكرون ليكون المنافس الاكثر حظا .. فدعمته وسائل الاعلام الفرنسية والاوربية بقوة كما دعمته مراكز البحث وتقصي الاستطلاعات كما انفقت منظمات تنظيم الانتخابات واللوبيات الاموال دون حساب لدعم ماكرون.
بل ان تسابق زعماء اوروبا وبعض رجال الدين فيها للاعلان عن دعمهم للمرشح ماكرون - ليس حبا ب مكرون بل حبا لانفسهم وتطلعاتهم و مواقعهم التي سيهددها سيل اليمين العنصري لو قدر للمرشحة لوبين الفوز . ذلك ان ماكرون ليس هو المرشح الافضل بل انه المرشح الجيد لانه خصم المرشحة الاسوا .
و في خطابة وبرنامجه الانتخابي سعى ماكرون لكسب اوسع قطاعات الشارع الفرنسي متوجها للناخب الفرنسي حيث تحدث عن اهتمامه بالتسامح واحترام الثقافات والاقليات ورعايته للمهمشين و في نفس الوقت اكد وقوفه مع الانفتاح الاقتصادي وانفتاح السوق واكتشاف اسواق جديده في العالم ( بخلاف منافسته التي تدعو الى الانغلاق ) .
ذلك ان تحالف راس المال مع الليبرالية العقائدية والوسطية السياسية هو الذي فاز في فرنسا بشخص امانويل مكرون امام اليمين العنصري ذو اللون الواحد والنور الباهت .
ان فوز ماكرون يشكل انفراجا سياسيا على الساحة الاوربية ويشكل ضربة لليمين المتطرف كما انه يعيد الثقة بالاقليات المسلمة في اوروبا ويعطيها الفرصة لان تثبت انها عنصر استقرار وسلام وتعايش وليست عناصر توتر وتخريب كما تريد احزاب اليمين العنصري او الدواعش اظهارهم بها .
كما ان هذا الفوز يشكل رسالة لحكومات دول العالم العربي والاسلامي بان عليهم ان ينظروا للعالم الخارجي .وحيث الاقليات المسلمه بنظرة اهتمام وحرص مختلفة وبان تسعى لربطهم بالتيارات المعتدلة الوسطية وان تحميهم من امراض التطرف والانغلاق والعنف ..
هل تتمكن الاحزاب والتنظيمات الاسلامية من التقاط الرسالة وتطوير خطابها وتلاؤم سلوكها مع متطلبات العصر وحاجات الزمن لتستطيع ان تصل الى عامة المسلمين في اوربا خاصة وتحميهم من التخريب الايديلوجي الذي هو المادة والحجة الكبرى في يد اليمين الاوربي الذي يسعى للقضاء عليهم وتدميرهم وخلعهم من جذورهم من هناك ؟؟ .
د. ياسين رواشده
رئيس مركز"امه " للدراسات الاورو -متوسطيه .
بين ماكرون فرنسا و مكر اوروبا