يظهر لي أن المحاسبي يبرز كركن أساسي في إحياء الغزالي خصوصا (ربع المهلكات) .. إلا أن الغزالي ربما نقل عنه فصولا بأكملها دون أن يشير إليه من قريب أو بعيد .
وخذ مثالا كتاب الحسد الذي مثل صفحات طويلة في كتاب الرعاية للمحاسبي .. فقد نقله الغزالي بأكمله مضمونا وترتيبا ، مع تحويرات لا تكاد تذكر دون أن يشير للمحاسبي فيه ولو إلماحة.
ووجدت للمحاسبي في كتاباته بحسب رصدي للآن روحين بارزتين ..
الأولى : روح المصلح الاجتماعي الذي يهاجم بحدة وكأنه يخوض حربا ضد فئة ما قد فسدت أخلاقهم ونفوسهم ومقاييسهم ، كما تجلى ذلك في مواضع من كتابه الوصايا ..
وقد تحمله هذه الحدة -فيما يتصور لي- على نوع تطرف ومبالغة في طرحه ، بل والاستدلال بما يصح وما لا يصح سندا ومتنا .
والثانية : روح المربي الرباني الرفيق الرقيق الذي يحاول أن يحمل الناس على الجادة ، وينتشلهم من وحل الدنيا بإفهامهم المتأني طريق السلوك إلى الله ، عن طريق تخيله لسائل ما حريص على الوصول إلى الله ،، ومن ثم الجواب عليه والانتقال به من درجة لأخرى ومن فهم للذي يليه .. كما يتجلى في كتابه الرعاية .
وكان في الروح الثانية أكثر اتزانا في طرحه وأكثر معقولية في استدلاله.. وحتى في استدلاله بما لايصح سندا فإنه متنه يكون معقولا ومتفقا مع معاني القرآن .. وكأن ركني نهجه العقل والقرآن
رحم الله المحاسبي .. يبدو من عناوين كتبه ومضامينها أنه كان يرى أن تقويم الأخلاق وإصلاح القلوب هي بداية الانطلاقة نحو التغيير .. ولذا كان غالب شغله بالكتابة حولهما ،
ويبدو أنه لم يكن مجرد كاتب بل كان متابعا وراصدا لواقع الناس ودوافع تصرفاتهم .. يتحرك قلبه وقلمه بحركتها.
ربنا اغفر لنا ولعلمائنا الذين سبقونا بالإصلاح ، ولا تجعل في قلوبنا لهم إلا كل محبة وتوقير .
بقلم / نادر الحاج
بين إحياء الغزالي وحياة المحاسبي