اليقين نور يقذف في القلب، به يدرك العبد الموفق أن ما سوى الحق سبحانه من قبيل الظل، والظل لاهو موجود باعتبار مراتب الوجود، ولا هو معدوم باعتبار مراتب العدم، وإذا ثبتت ظليّة الآثار لم تتسخ أحدية المؤثر، فمن شهد ظلية الآثار لم تعقه ذلك عن الله تعالى، فإن ظل الأشجار في الأنهار لايعوق السفن عن التسيار، ومن هنا يتبين لك أن الحجاب ليس أمراً وجودياً بينك وبين الله، وإلا لكان أقرب إليك منه، فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهم الحجاب.
وقال أبو عاصم الأنطاكي رحمه الله تعالى: (اليقين نور يجعله الله تعالى في قلب العبد حتى يشاهد به أمور الآخرة، ويخرق به كل حجاب بينه وبينها، حتى يطالع الآخرة كالمشاهد لها).
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح" قيل يارسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله". أخرجه الحاكم (4/311)
علم اليقين يحصل عن قاطع البرهان
وعين اليقين يحصل عن شهود العيان
وحق اليقين تحقيق ضرورة العيان بالوجدان.
اليقين جزم القلب بالمعلومات الغيبية التي جاءت على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
الإيقان: العلم بالشيء ينفي الشك والشبهة عنه، قال تعالى: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة:4).
وروي في الخبر: تعلموا اليقين فإني أتعلمه، أي: جاهدوا أنفسكم على تحصيل اليقين، بتكرار النظر في المعلومات، حتى يغلب علمها على قلوبكم، فيكون ذلك من أقوى أسباب وصولكم إلى خالقكم، بالإيقان والعرفان.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لاترضينّ أحداً بسخط الله تعالى، ولاتحمدنّ أحداً على فضل الله عزوجل، ولاتذمن أحداً على مالم يؤتك الله، فإن رزق الله لايسوقه حرص حريص، ولايرده عنك كراهة كاره، وإن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" أخرجه الطبراني في الكبير (10/266)
قال أبو عبدالله الأنطاكي: إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نوراً، وينفي عنه كل ريب، ويمتليء القلب به شكراً، ومن الله خوفاً.
وقال سهل رحمه الله تعالى: ابتداء اليقين مكاشفة، ولذلك قال بعض السلف: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ثم المعاينة والمشاهدة.
وقال أبو عبدالله بن خفيف: اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات، التي أخبر عنها الأنبياء.
وقال محمد بن الحسين: أول المقامات: المعرفة، ثم اليقين، ثم التصديق، ثم الإخلاص، ثم الشهادة، ثم الطاعة، أشار هذا القائل إلى أن أول الواجبات هو المعرفة بالله سبحانه، والمعرفة لاتحصل إلا بتقديم شرائطها، وهو النظر الصائب، ثم إذا توالت الأدلة وحصل البيان صار بتوالي الأنوار، وحصول الاستبصار كالمستغني عن تأمل البرهان، وهو حال اليقين، ثم تصديق الحق فيما أخبر به عند إصغائه إلى إجابة الداعي فيما يخبر عنه من أفعاله سبحانه في المستقبل، لأن التصديق إنما يكون في الأخبار، ثم الإخلاص فيما يتعقبه من أداء الأوامر، ثم بعد ذلك إظهار الإجابة بجميل الشهادة، ثم أداء الطاعات بالتوحيد فيما أمر به، والتجرد عما زجر عنه.
وقال ذو النون المصري: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب، وسمعت محمد بن الحسين رحمه الله يقول بسنده إلى ذي النون المصري قال: ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس في العشرة، وترك المدح لهم في العطية، والتنـزه عن ذمهم عند المنع.
وثلاثة من أعلام يقين اليقين:
1 – النظر إلى الله سبحانه في كل شيء.
2 – والرجوع إليه في كل أمر.
3 – والاستعانة به في كل حال.
وقال الجنيد رحمه الله: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب.
سئل السري عن اليقين؟ فقال: اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك، لتيقنك أن حركتك فيها لاتنفعك، ولا ترد عنك مقضياً.
وقال الخراز: العلم بما استعملك في الصحة، وهو العلم بالأحكام الشرعية، واليقين ماحملك، وهو العلم بأنه لافاعل إلا الله، ولا معين سواه، ولايجري عليك إلا ماسبق لك عنده.
----------------------------------------------
* بتصرف - نقلا عن كتاب (الجد في السلوك إلى ملك الملوك) للشيخ أسعد محمد الصاغرجي.
باب اليقين