الوسطية والتغيير وتعديل مفهوم الاعتدال

الوسطية الإسلامية هي في تصوري تمثل التصور الممثل للحضارة الإسلامية، أي أنها تمثل الحالة العامة التي تصل لها التصورات الحضارية الإسلامية في النهاية، وهي التي تمثل المجموع الغالب من الناس في نهاية الأمر. قد يغلب الإفراط الإسلامي في مراحل، بما فيه من تطرف، ولكنه لا يمثل حالة عامة مستمرة، وقد يغلب التفريط في بعض المراحل، ولكنه يظل ممثلا لحالة استثنائية. الوسطية طريق النهضة والوسطية الإسلامية في تصوري تمثل الاتجاه المفضي إلى النهضة، في حين أن الإفراط يمثل مراحل الدفاع عن النفس ومراحل التأخر، أما التفريط فيمثل مراحل التفكك والتحلل. تلك المقدمة ضرورية للوصول إلى الموضوع المهم والذي يتعلق بالعلاقة بين الوسطية ومنهج التغيير. فإذا كان التطرف -الذي يميل إلى الانعزال عن الواقع أو المواجهة العنيفة معه- ليس طريقا للنهضة، وإذا كان التفريط هو نوع من التكيف مع الواقع والالتحاق بالقوى المهيمنة والتسليم بالهزيمة، فإن الوسطية هي التي تحمل مشروعًا للتغيير يهدف لتحقيق النهوض الحضاري. لذا فالوسطية الحضارية الإسلامية، كما أفهمها، ترفض التسليم بالواقع أو الالتحاق بالقوى المهيمنة أي ترفض القابلية للاستعمار، بتعبير مالك بن نبي، كما ترفض الوسطية مناهج العنف واستخدام السلاح في التغيير. إذن الوسطية ترفض قبول واقع التخلف والاستعمار، كما ترفض استخدام السلاح في التغيير الداخلي، وتؤيد بالطبع استخدام السلاح في مواجهة الاستعمار وقوى الاحتلال. ومن هنا يبرز لنا تميز المنهج الوسطي، والذي يقوم على التغيير السلمي في مواجهة أنظمة الحكم، وعلى المقاومة في مواجهة العدوان الخارجي. الاعتدال منهج الوسطية أيضا، أي تعني ضمن معانيها الثرية، الاعتدال، وهو أمر يرتبط بالفكر كما يرتبط بالمناهج الخاصة بالتغيير. فالاعتدال في المنهج يمثل التزاما بالمنهج السلمي المتدرج، بما يجعل الوسطية منهجا معتدلا لا يميل إلى الإفراط أو التفريط. ولكن فهم الاعتدال وفهم منهج التغيير، يمثلان نقطة مهمة في فهم الوسطية الحضارية التي نتكلم عنها. فقد يفهم من الاعتدال أنه نوع من القدرة على التعامل مع الواقع الراهن والتكيف معه، وهذا بالفعل أمر حقيقي. ولكن التكيف مع الواقع الراهن والتعامل معه، يعني القدرة على التعامل مع الأوضاع الراهنة من أجل تغييرها من داخلها. وهو ما يختلف عن المنهج القائم على الإفراط، والذي يرفض التعامل مع الواقع الراهن، ويرفض التكيف معه، وبالتالي يعمل على تغييره من الخارج. الوسطية وفلسفة التغيير ولذا نقول إن الإفراط في المنهج، هو التغيير من خارج الواقع الراهن ومن خارج الأنظمة القائمة، أما الوسطية فهي تغيير الواقع الراهن من داخله ومن خلال الأنظمة القائمة والدستور القائم. وفي المقابل نرى أن منهج التفريط يعني قبول الواقع الراهن والتكيف معه، ليس من أجل تغييره، ولكن من أجل التعايش معه، وجعل المنظومة الحضارية الإسلامية تتكيف مع الواقع الراهن، وكأنه معبر عنها، برغم أنه قد يكون غريبا عليها. ومثال لمنهج التفريط، أن يتم التعايش مع أوضاع تقوم على العلمانية الليبرالية، ومحاولة تكييف الحضارة الإسلامية مع تلك العلمانية الليبرالية، بدلا من محاولة تغيير هذا الوضع القائم. إذن الوسطية هي تغيير الواقع من داخله سلميا، والإفراط هو تغيير الواقع من خارجه بالقوة، والتفريط هو الاستسلام للواقع؛ وبهذا المعنى تكون السلمية والاعتدال والتدرج، كسمات أساسية للمنهج الوسطي، لا تعني التكيف مع الواقع الراهن وقبوله، وتلك نقطة مهمة في المنهج الوسطي؛ لأن الاعتدال ومسألة قبول الواقع الراهن، والتعامل مع الوضع القائم والدستور القائم والقوانين المعمول بها، قد تؤدي إلى نوع من قبول الواقع أو التسليم به، بدرجة تعطل منهج التغيير نفسه، وهذا هو التحدي الأساسي الذي يواجه المنهج الوسطي، وهو أيضا أحد نقاط الضعف التي قد تصيب المنهج الوسطي، بما يشجع المنهج المتطرف القائم على الإفراط والتغيير من الخارج بالقوة. نعني بهذا أنه بقدر ما يظهر من تسليم ما من أصحاب المنهج الوسطي بالوضع القائم، ولو مرحليا، بما يوحي بقدر من التسليم بالوضع القائم قد يستمر طويلا، بقدر ما يجد أصحاب المنهج العنيف القائم على الإفراط أسبابا للهجوم على المنهج الوسطي، مما يفقده قدرا من تواجده الجماهيري. الاعتدال الخاطئ فإذا كان لكل منهج نقاط ضعف، وهذا أمر طبيعي في كل سلوك بشري، فإن أصحاب المنهج الوسطي لديهم نقطة ضعف تظهر عندما يبدو أن اعتدالهم قادهم لنوع من قبول أجزاء مؤثرة من الواقع الحالي، والتسليم بها، وكأنها أصبحت قدرا يجب الاعتراف به، برغم أنها لا تنبع من المرجعية الحضارية الإسلامية. ولتوضيح ذلك، سنجد أن أصحاب المنهج الوسطي يعملون من خلال الوضع السياسي القائم؛ وبالتالي يكون عليهم تحديد موقفهم من النظام السياسي القائم، أو من النظام السياسي الغربي، والذي يعتبر نموذجًا للنظام الناجح المتقدم حاليا. ومن هنا يصبح على أصحاب المنهج الوسطي تحديد موقفهم من الديمقراطية والدولة القومية الحديثة والدولة العلمانية، والتي تسمى أحيانا الدولة المدنية كنوع من التورية. وأمام هذا السؤال، يكون على أصحاب المنهج الوسطي تحديد ما يمكن التعامل معه من تلك المفاهيم والنظم، وما يجب تغييره منها. وهنا تبرز مشكلة أن مقدار التغيير المنشود قد يستخدم دليلا على الخروج من الديمقراطية أو الدولة الحديثة، أو النظام والدستور القائم، ويصبح أمام أصحاب المنهج الوسطي التوفيق بين منهجهم المعتدل، وبين قدرتهم على التمييز بين ما يمكن قبوله ويتوافق مع المشروع الحضاري الوسطي، وما لا يمكن قبوله لتعارضه مع المرجعية الحضارية الإسلامية. وهنا تبرز مشكلة أن الاعتدال كمنهج تغيير، يعني القدرة على التعامل مع الواقع لتغييره، وليس القدرة على التكيف مع الواقع دون تغيير. والغالب هنا أن أصحاب المنهج الوسطي، يمرون بامتحان حول الاعتدال، فمنهم من قبل أكثر مما يمكن قبوله لتأكيد الاعتدال، ومنهم من استطاع التمييز بين ما يمكن قبوله وما لا يمكن قبوله؛ لذا نقول إن الوسطية الحضارية كمشروع للتغيير، تقوم على تغيير الواقع من داخله، وتسمح باقتباس كل ما يتوافق معها من أنظمة وأساليب وأدوات، دون أي اقتباس لقيم تؤثر على المشروع نفسه، وتمس أسسه التي يقوم عليها؛ لذا تصبح دعوتنا في النهاية إلى أصحاب المشروع الوسطي، هي التمسك بالاعتدال وهدف النهوض والتغيير، بقدر يحقق النجاح للمنهج الوسطي؛ لأن إخفاق المنهج الوسطي، يفتح الباب لمنهج الإفراط ويجعله السبيل الوحيد.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.