د. محمد المجالي
تحتاج أمتنا مراحل من إعادة الثقة بنفسها، فهي التي تملك مقومات الحضارة الحقيقية، بشقيها الأخلاقي المنبعث من دين حق وثقافة أصيلة، والمادي الذي يحتاج إرادة وعزيمة على سبيل الفرد والدولة، هذه الثقة التي تزعزعها التبعية للآخر، وتزيدها تشويها تلك النداءات التي تدعو إلى التغريب وترك مقومات الأمة الأصيلة، خاصة الدين الذي يقلد كثيرون من أبناء جلدتنا الغرب في شأنه، وأنه السبب في تخلفنا وتقدم غيرنا، هذه المنظومة الفكرية العلمانية والليبرالية والإلحادية التي تظن أن الدين معيق للتقدم والحضارة، ويقيسون ما عاشته أوروبا في عصورها الوسطى حين تحكمت الكنيسة وطغت، وأدى هذا إلى الثورة الفرنسية، ومن ثم حركات الإصلاح، وتبعتها الثورة الصناعية قدرا، فظن كثيرون أن طريق التقدم بتأخير الدين، وتطور المفهوم إلى إلغاء الدين من الحياة، أظنها فتنة التبست على كثيرين، خاصة من أبناء أمتنا الذين راحوا يقلدون الغرب تقليدا أعمى، في زمن الهزيمة الروحية والمادية الذي نعيش.
هذا على العموم، وإذا ذهبنا إلى بعض التفاصيل نجد كثيرا من مظاهر التقليد الأعمى للغير حتى في نواحي الحياة العادية، الثقافية والسلوكية والفكرية، وهذه الظاهرة متبادلة ليس المسلمون وحدهم الهائمون فيها، بل إن غيرنا كان مقلدا لنا حين كان المسلمون في عزة من أمرهم، وتقدم في مجالات الحياة كلها، ولعل أغلب ما في الغرب تحديدا من مظاهر نظنها غربية هي في الأصل إسلامية أخذوها عنا، ولكننا حين هُزمنا أخيرا قلدنا غيرنا.
يقول ابن خلدون في مقدمته حول أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب: “والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها، وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به، وذلك هو الاقتداء، … ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله… وتأمل في هذا سر قولهم: العامة على دين الملك، فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم”.
لا نغفل النواحي النفسية أبدا في حالة الهزيمة، إنما نراعي جوانب النهضة الحقيقية التي أكد عليها الإسلام، ووضحها القرآن، فقد مر المسلمون بهزيمة مادية والرسول بينهم، صلى الله عليه وسلم، حيث غزوة أُحُد، ونزلت ستون آية متتالية من سورة آل عمران، تعزيهم وتوجههم وتبين مواضع الخلل، وتحف هذا كله بنظام السنن الإلهية التي لا تتخلف أبدا، ولا تحابي أحدا، والتي من ضمنها سنة النصر والمدافعة والتغيير والابتلاء، فقوله سبحانه واضح في سنة النصر حيث يقول: “إن تنصروا الله ينصركم”، وفي المدافعة: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”، وفي التغيير: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، وفي الابتلاء: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم”، وهكذا.
تبين آيات سورة آل عمران التي توجه المسلمين بعد الهزيمة أن: “قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس، وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا منكم ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”، وهي آيات واضحات تلامس الروح والعقل معا، لتشكل الشخصية الواثقة بربها ومنهجها.
وعن سبب هزيمة بعض المسلمين من أرض المعركة، بينه الله ليكون درسا لهم على مر الزمن، فقال سبحانه: “إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم، إن الله غفور حليم”، وقال في موضع آخر في سلسلة الآيات نفسها: “أولما أصابتكم مصيبة (في أُحُد) قد أصبتم مثليها (في بدر) قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير. وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا…”.
إن الأصل في أمة الخيرية أن تبقى عزيزة رغم الهزيمة، واثقة بنفسها ومقوماتها رغم التقدم الهائل عند غيرنا، ولتعلم أمتنا أنه يراد لها أن تبقى متخلفة ماديا، وهنا ينبغي إن نشير إلى الخلل، حيث ضعف الإرادة وفوضى الإدارة، وإلهاء الناس في سفاسف الأمور، فالوعي الوعي يا أمة الخيرية، فما الأيام إلا دول، يداولها الله ويعطيها حتى للكافر إن لم يكن المؤمنون على مستوى المسؤولية، فداؤنا فينا، وسبب هزيمتنا فينا، وليس من قوة غيرنا، فلو نصرنا الله في منهجه لنصرنا، فوعده لا يمكن أن يتخلف، سبحانه.
المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب