في الجزء الأول من هذه الدراسة حول مفهوم المراجعات الفقهية التي انطلقت من قبل بعض مرجعيات الحركات السلفية الجهادية في العالم، وجذور تلك المراجعات، وردود الأفعال عليها، وأهمها رد الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري على كتاب سيد إمام منظر تنظيم الجهاد المصري، ناهيك عن ربط محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها مساعد وزير الداخلية السعودي مع برامج المناصحات والمراجعات.
في الجزء الثاني والأخير من هذا الموضوع، نتابع مفاهيم وموضوعات متعلقة بجوهر المراجعات الفقهية، ومنها: قتل المدنيين في الحروب، وجهاد الدفع والطلب بين حدين، وحركات دخيلة على الجهاد، وجماعات لا إسلامية تعمل باسم الإسلام، ومعالجة الأسباب المولدة للظاهرة.
قتل المدنيين في الحروب
وهنا لا بد من التفريق ما بين ما يحدث من قتل للمدنيين بالخطأ في ميدان المعارك في ظل احتلال أجنبي للبلدان العربية والإسلامية، كما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من المناطق، وبين القتل الذي يستهدف مسلمين بشكل متعمد، ففي الحالة الأولى يعتبر الجهاد أمراً اعتيادياً وشرعياً، ويتكرر في هذه الحروب سقوط الكثير من الضحايا المدنيين الآمنين على يد المحتل في سياق عمليات القصف الوحشي والاعتقال والمداهمات من جهة، فضلاً عن الضحايا الذين يقضون بسبب عمليات المقاومة المسلحة بطريقة غير مباشرة من جهة ثانية.
جهاد الدفع والطلب بين حدين
وكانت أهم المسائل التي أثارها "سيد إمام" هي ما تستند إليها الجماعات الإسلامية المسلحة في قتالها، وهي مفاهيم تتعلق بمسألة "جهاد الدفع" وهو الجهاد الذي يجب على المسلمين في حال وجود عدو صائل قام باحتلال البلاد الإسلامية بحسب الفقه الإسلامي، وناقشت الوثيقة أهم المفاهيم المتعلقة بسقوط الضحايا من المدنيين بشكل متعمد أو غير متعمد في ساحات القتال وغيرها من الساحات، والتي يعتبرها من الأخطاء التي وقعت بها الحركات السلفية الجهادية المعاصرة، وأول هذه المفاهيم الذي أصبح متداولاً في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر وبخاصة لدى الجماعات المسلحة، هو مفهوم الولاء والبراء، ويعني موالاة ومناصرة ومحاباة المؤمنين والبراء من الكفار والمشركين، وينقسم مفهوم الكفار: إلى صنفين؛ الأول: المحتلين في حال وجود احتلال من قبل الكفار الأصليين، أي من غير المسلمين، والثاني: الكفار المرتدين، وهو وصف يطلق على الأنظمة المسلمة التي لا تطبق حكم الله في الأرض، ومن تحالف من المسلمين مع هذين الصنفين التي تجري عليه أحكامهم، ويزول عنهم وصف العصمة من الدم والمال، إذ أن شرط العصمة لديهم يتحقق للمسلم الذي لا يتحالف ولا يناصر المحتل أو هذه الأنظمة، وهو نفس التصنيف الذي سمي بالعدو القريب المتمثل بالأنظمة العربية والإسلامية، والعدو البعيد المتمثل بالغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بشكل خاص.
وقد أثر هذا التقسيم بشكل مباشر على التوجهات النظرية والعملية للحركات السلفية الجهادية المعاصرة، فبحسب مفهوم الكفر أصبح العالم مقسما إلى دارين؛ دار حرب ودار إسلام، وترتب على هذا المفهوم عدة مسائل حيوية، أولها: نشوء قاعدة أساسية لدى هذه الجماعات تنص على أن: "التقتيل فرع على التكفير" وبحسب هذه القاعدة فإن الكفر بحد ذاته علة كافية لوجوب القتل، وثانيهما: "أن العالم بوقوعه في الكفر والردة، يجب قتاله وإزالته" وذلك في سبيل إقامة الخلافة الإسلامية وفرض الحاكمية الإلهية بالقوة، وثالثهما: يستند إلى قاعدة أساسية لدى هذه الحركات تنص على: "أن لا طريق لعودة الخلافة سوى طريق الجهاد والقتال".
وبحسب هذه القواعد أصبح العالم مسرحاً ومجالاًً لقيام عمليات قتالية متعددة بدءاً من الاشتباك المباشر، وانتهاء بالعمليات الانتحارية -الاستشهادية، وذلك بحسب توافر القوة والقدرة على التغيير، وإذا كانت الحروب التقليدية تنطبق على الكيانات والدول والجيوش، فإن الحروب المتوازية التي تستند بالأساس إلى حرب العصابات، هي التي تنطبق على الصنف الثاني الذي يعتبر أساس ومنطق عمل الجماعات السلفية الجهادية المعاصرة وفي مقدمتها القاعدة.
التترس والعمليات الاستشهادية
وقد ترتب على جملة المفاهيم والمبادئ السابقة عدد من المسائل والمفاهيم والقضايا الفرعية التي تبحث في تفاصيل الجهاد والقتال، والتي يعتبرها "سيد إمام" وغيره من منظري السلفية الجهادية في العالم من الممارسات التي توسعت القاعدة في استخدامها، حيث يعتبر مفهوم التترس، والذي يعني أن يحتمي أو يتترس الجنود – الأعداء – في ساحة المعركة ببعض المدنيين الآمنين بشكل مباشر أو غير مباشر بالمسلمين في حال المواجهة، وقد عرفت هذه العملية في العديد من المعارك التي خاضها المسلمون قديماً، وتستخدم في الوقت الحاضر لدى بعض فصائل المقاومة المسلحة ذات الأيديولوجيا الإسلامية الجهادية – السلفية الجهادية- ومن المعروف أن الفقهاء قد وضعوا شروطاً دقيقة لتطبيق مفهوم التترس حفاظاً على النفس المعصومة، وألزموا القادة العسكريين بعدم التوسع في تطبيق هذا المفهوم، واعتبروه من باب "الضرورات" التي لا يلجأ إليها إلا عند الحاجة القصوى، إلا أن مفهوم التترس تعرض لإساءة كبيرة في تطبيقه من قبل الجماعات الجهادية المعاصرة، بحيث أهملت معظم القيود والشروط التي أجمع عليها الفقهاء، وأصبح القتل يستهدف مدنيين آمنين بحجة التترس، دون مراعاة لهذه الشروط والقيود، ودون النظر إلى الموانع التي تمنع من قتل الدم المعصوم بحجج وذرائع واهية، ولعل معظم التفجيرات التي حدثت منذ الحادي عشر من سبتمبر حتى الآن تمت تحت ذريعة التترس.
ومن المفاهيم الأساسية التي ترتبت على جملة المبادئ والقواعد السابقة لدى الحركات الجهادية؛ مفهوم "العمليات الاستشهادية" أو ما يعرف بــ "العمليات الانتحارية" وقد توصلت إلى جوازها الجماعات الإسلامية المسلحة بعد سجال طويل بين مرجعياتها الدينية المختلفة، واستخدمتها الجماعات بسبب اختلال ميزان القوى بين الأطراف المتقاتلة، وقد شهد البحث حول مشروعية العمليات الانتحارية – الاستشهادية – نقاشاً حاداً وجدلاً واسعاً لدى فقهاء ومفكري التيارات الجهادية في العالم الإسلامي، ولم تشهد الجماعات السلفية الجهادية قيام عمليات انتحارية قبل عام 1998، بشكل منهجي مع وجود حالات فردية سابقة كما حدث مع تفجيرات الخبر والرياض عامي 1994و 1996، ولم تشهد الساحات الجهادية الإسلامية وفي مقدمتها أفغانستان وكشمير والفلبين والشيشان عمليات استشهادية على نطاق واسع، وذلك بسبب الخلاف حول مشروعيتها، فقد كان معظم المنظرين لهذه الجماعات يرون حرمتها وبدعيتها.
ولعل أول من أستخدمها في العالم العربي هي الحركات الوطنية، كحركة فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية، ثم استعارتها الحركات الإسلامية الوطنية، مثل حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بعد عام 1987، وأصدرت في ذلك عدة كتب في بيان مشروعيتها، وقد أيد هذا الاستدلال على مشروعيتها في فلسطين في ظل وجود احتلال صهيوني معظم الفقهاء والعلماء المعاصرين وفي مقدمتهم الشيخ يوسف القرضاوي، إلا أن عددا آخر من الفقهاء والعلماء عارضها بشدة وفي مقدمتهم الشيخ ابن باز رحمه الله، وكانت الحركات السلفية الجهادية لا ترى مشروعيتها، وتصفها بالانتحارية قبل عام 1998، ومن هؤلاء المنظرين الشيخ أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، وأيمن الظواهري، وعبد القادر بن عبد العزيز، وغيرهم، وفي منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي بدأ البحث عن مشروعيتها لدى هذه الجماعات بقوة وشهدت تغيراً جذرياً في إباحتها، ثم وجوبها، واستحبابها واعتبارها من أكبر القربات إلى الله تعالى، ولعل اختلال ميزان القوى أجبر معظم هذه الحركات على القول بجوازها، بحيث أصبحت من أكثر العمليات القتالية استخداماً، وذلك بسبب قلة كلفتها وفاعليتها الكبيرة، وقدرتها على إلحاق أفدح الخسائر بالخصم، فضلاَ عن سهولة تنفيذها، وعدم تمكن الخصم من صدها أو كشفها، وكذلك بسبب فعاليتها الكبيرة وقدرتها على جذب الإعلام بسبب طبيعتها المسرحية الاستعراضية، وغيرها من العوامل.
حركات دخيلة على الجهاد
ويشار إلى أن بعض الأفراد والجماعات التي تحسب على حركات الإسلام السياسي جاء بها الجهاد إلى الإسلام، أو بمعنى آخر أن اندماجها في العمل القتالي المقاوم ضد الاحتلال دفعها إلى التسمية باسم حركة أو جماعة تعكس رؤيتها الإسلامية، دون الإحاطة بالعلوم الشرعية بشكل كافٍ، وذلك على مستوى الأفراد والجماعات، بحيث يعتبر هذا الفرد أو الجماعة نفسه من الذين ملكوا وراثة الدين والدفاع عنه دون غيرهم من البشر، وهذا ما يوقعهم في الأخطاء والانحرافات التي تسفك بسببها دماء المسلمين ظلماً، وهو ما دفع باعتراف السلفية الجهادية وللمرة الأولى في تاريخها بالأخطاء التي وقع بها أفرادها وفروعها المنتشرة وبخاصة في العراق، والتي عبر عنها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في رسالته التي حملت عنوان "إلى أهلنا في العراق" ونبه - من خلالها - المجاهدين إلى تجنب الوقوع في الأخطاء والانحراف، وتصحيح المسار، بسبب تراجع سيطرة السلفية الجهادية على مناطق مختلفة في العراق، وهو ذات السبب الذي دفع بـ "البغدادي" أمير ما يعرف بـ "دولة العراق الإسلامية" إلى إطلاق وقفاته التي بين فيها أخطاء عناصر دولته، ودافع فيها بقوة عن أيديولوجيته وممارساته التي تستهدف المحتل بالدرجة الأولى وحلفاءه بالدرجة الثانية من المنخرطين بالعملية السياسية.
ومما لا شك فيه أن بعض الجماعات الإسلامية المسلحة وقعت في أخطاء خطيرة، وانحرفت عن منهجها وأهدافها، بحيث أصبحت بعيدة عما هو ديني، وأصبحت متطرفة، كما حصل في الجزائر من خلال النشاطات والأفعال التي قامت بها "الجماعة الإسلامية المسلحة" والتي قتل بسببها المئات من المسلمين، وحكمت على نفسها بالفشل الذريع والدمار.
جماعات لا إسلامية تعمل باسم الإسلام
ونعتقد أن الجماعة التي تبدأ بوضع المبررات والذرائع والتفكير بعقلية النكاية في التعامل مع الآخرين، من خلال الأهداف التي تضعها ينعكس سلباً على مسارها، بحيث لا يمكن وصفها بأنها جماعة "إسلامية" من الناحية العملية، بل ينطبق عليها وصف جماعة "متطرفة" مهما أطلقت على نفسها من تسميات شرعية ومهما كان لقادتها من مكانة علمية وشرعية، ولعل الممارسات الخاطئة لهذه الحركات وتوسعها في باب الجهاد والقتال، كالعمليات الانتحارية، وممارسة القتل باسم التترس جلب عليها غضباً شعبياً واسعاً أفقدها مصداقيتها في أماكن مختلفة كما حدث في الأردن والمغرب والسعودية والعراق والجزائر ومصر، ففي مصر وهي الدولة التي شهدت حركات جهادية مبكرة منذ سبعينيات القرن الماضي، وفي مقدمتها جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، التي ضمت بين صفوفها كبار المنظرين والفقهاء من الجيل الأول، شكلت العمليات القتالية العشوائية والانتحارية غير المنضبطة إطاراً واسعاً للمراجعة والترشيد، فعقب تفجيرات الأقصر عام 1998، باشرت الجماعة الإسلامية بمراجعة منظومتها الفكرية التي أسفرت عن وقف العمليات القتالية من جانب واحد مع النظام المصري، وتوجت مع القادة التاريخيين عن مراجعات شاملة وصلت إلى أكثر من واحد وعشرين كتاباً حتى الآن، تناولت فيها الشبهات التي وقعت في إطار الجهاد، وبينت خطأ التوسع في مفهوم الكفر والقتل والعمليات الانتحارية والتترس، وعقب التفجيرات التي طالت أماكن مختلفة من العالم العربي عام 2003، شرعت جماعة الجهاد بانجاز مراجعتها والتي توجت بوثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم، والتي كتبها المنظر الأول للجهاد الشيخ سيد إمام الشريف، المعروف بــ "الدكتور فضل أو عبد القادر عبد العزيز" ولا تزال المراجعات تخرج تباعاً من لدن أتباع هذه التيارات نتيجة طبيعية لمجمل التطورات والأخطاء الجسيمة التي وقعت بها مسيرة الحركات السلفية في العالم، ومن المتوقع أن تحدث هذه المراجعات أثراً كبيراً على الجيل الثالث من الجهاديين التي لا تزال القاعدة تتمسك بمشروعيته وجدواه.
ولعل موقع الدكتور سيد إمام العلمي والفقهي والذي يعتبر أحد أهم المراجع العلمية للسلفية الجهادية حمل العديد من نشطاء السلفية الجهادية والأجهزة الأمنية والإعلامية والبحثية على الاهتمام بهذه المراجعات، ويبدو أن هناك انقساماً في تقييم أثر هذه المراجعات على السلفية الجهادية العالمية، إذ يؤكد معظم الناشطين داخل هذا التيار على عدم أهميتها وفعاليتها، لأسباب عديدة، أهمها أن هذه المراجعات جاءت بإشراف الأجهزة الأمنية، وبضغوطات شديدة تحت وطأة السجن والاعتقال، كما أن هذه المراجعات لم تقدم إجابات صريحة على جملة من الأسئلة الدقيقة المتعلقة بالحاكمية وبنية الواقع السياسي، وفرضية الجهاد، ولعل كتاب الظواهري "التبرئة" عبر عن هذا الاتجاه بشكل صريح.
معالجة الأسباب المولدة للظاهرة الجهادية أنجع السبل للتعامل معها
ويبدو أن هذه المراجعات فقدت أهميتها لدى أنصار الجهاد العالمي، ولدى جانب كبير من الشارع العربي والإسلامي، وذلك نظراً لوجود الشروط الموضوعية التي أنجبت هذه الظاهرة، وفي مقدمتها الوضع الدولي الذي يتسم بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية واستمرارها في احتلال أفغانستان والعراق، ودعمها المنحاز إلى إسرائيل، فضلاً عن أنه لا يوجد في العالمين العربي والإسلامي إصلاحات جوهرية تمس بنية النظام السياسي من خلال تعزيز الديمقراطية والتعددية والمشاركة السياسية وعجزها عن تلبية المتطلبات الأساسية للمواطنين وغيرها من الأسباب التي لا تزال تعمل على تنشيط وتحفيز قطاعات واسعة من الشباب الغاضب للالتحاق بصفوف السلفية الجهادية، وحركة المقاومة، ولذلك فإن الأثر المرجو من هذه المراجعات لا يمكن أن يتحقق بدون إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية على أرض الواقع.
ولعل النقاط التي أثارها الظواهري في كتاب التبرئة رداً على وثيقة ترشيد الجهاد، وضعت سيد إمام في زاوية ضيقة وخصوصاً تلك المتعلقة بشرعية النظام المصري، ووجوب الجهاد، وهو الأمر الذي دفع بسيد إمام إلى إصدار وثيقة أخرى حملت اسم "التعرية للتبرئة" إلا أنه وقع في مزالق تجاوزت مسألة الخلاف العلمي والشرعي، وذلك بالتطرق إلى مسائل شخصية تتعلق بالظواهري وبن لادن، ذات طبيعة أخلاقية، وهو ما أضعفها، وجعل تأثيرها قليلاُ بالمقارنة مع المراجعات السابقة.
من هنا، فإن المراجعات الفقهية لدى السلفية الجهادية يجب أن تقوم على مزيد من الدراسة والبحث عن أسباب تنامي وازدهار وانتشار الأيديولوجيا السلفية الجهادية، بعيداً عن العواطف والمقاربات الأمنية القاصرة، كما أنها بحاجة إلى برامج عملية طويلة الأمد، وتغيير في السياسات، والإصلاح العام ومحاربة الفساد
منقول عن صحيفة الحقيقة الدولية
بتاريخ:28/9/2009
المراجعات الفقهية لدى الحركات السلفية الجهادية المعاصرة 2