المراجعات الفقهية لدى الجماعات السلفية الجهادية المعاصرة 1

تغليب التسييسي على التأنيسي.. والسعي إلى عسكرة الإسلام      أثارت محاولة اغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي استهجان العديد من الدعاة والناشطين والمفكرين والباحثين، وبخاصة أن الرجل عايش تجربة ناجحة في التعامل مع الحركات الجهادية، وظف من خلال خبرته الإرث الديني والسياسي والاجتماعي القبلي في ترسيخ أسس برامج أطلق عليها المناصحات والمراجعات، والتي لم يشهد التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر مثل هذه التجربة. ومن المعروف أن الحركات السلفية الجهادية تطلق مفهوم العدو القريب على النظم السياسية العربية، وتعتبرها نظماً مرتدة، وجب الخروج عليها ومقاتلتها، لأنها لا تطبق الشريعة الإسلامية بحسب منظور هذه الحركات، وساهمت هذه الرؤية في حصول صدام مسلح عنيف مع بعض النظم السياسية مثل مصر والسعودية والجزائر وغيرها من البلدان.            وقد وضعت هذه الأحداث الكثير من عناصر وأنصار الحركات الجهادية في حيرة من أمرها، ففي الوقت الذي يؤيدون قتالهم للعدو الصائل - البعيد- الذي يقوم باحتلال أوطانهم وبلدان إسلامية مختلفة، فإنهم يتوقفون حينما يتعلق الأمر بإعلان الجهاد – القتال- ضد بلد عربي إسلامي، ما أفضى إلى بروز العديد من المراجعات الفقهية – الفكرية- في أوساط الحركات الجهادية، داخل وخارج السجون.            ومما لا شك فيه أن محاولة الاغتيال الفاشلة لمساعد وزير الداخلية السعودي، ستؤدي إلى إعادة مراجعة من قبل الأجهزة الأمنية في إستراتيجية التعامل مع برنامج المناصحة، في بلد أنفق الكثير من الجهد والوقت والمال على تلك البرامج وما زال، حيث أن عدد المنتمين للحركات الجهادية، هو في حقيقة الأمر عدد كبير مقارنة بالبلدان الأخرى.      والذين يخضعون لمثل هذه البرامج في إعادة تأهيلهم فكرياً، للانخراط في الحياة الاجتماعية بشكل اعتيادي بعيداً عن فكر التفجير والتدمير أو ما تطلق عليه تلك الحركات المقاومة والجهاد، وبخاصة أن مسألة الصدام والعسكرة لدى تلك الجماعات وصلت إلى طريق مسدود، بعد نجاح المقاربة الأمنية والعسكرية للنظم السياسية المختلفة في التعامل معها.           لقد برز في فكر وممارسة الجماعات والحركات الجهادية المعاصرة تغليب الجانب التسييسي على حساب التأنيسي، ما دفع بكثير من الحاضنات الاجتماعية في العديد من البلدان العربية والإسلامية إلى كف يدها عن دعمها ومناصرتها، الأمر الذي أدى إلى تراجع نفوذها وانتشارها وازدهارها عسكرياً في تلك البلدان التي تنشط فيها، وكل ذلك يمكن عزوه إلى الأخطاء التي تمارسها تلك الجماعات والحركات والتنظيمات.      دفعت الأخطاء في الممارسة العملية والتطبيق، إلى قيام العديد من قيادة الحركات الجهادية المعاصرة بإعادة رسم الأولويات والتركيز على مقاتلة العدو البعيد – المحتل-، وهنا يتبادر إلى أذهاننا تساؤلات عدة حول محاولة الاغتيال الفاشلة التي نتحدث عنها؛ ومنها ما الذي ستجنيه الحركات السلفية الجهادية من مواصلة إستراتيجيتها القتالية في مقاتلة العدو القريب؛ وكذلك ما هي آثارها السلبية التي سيجنيها آلاف المعتقلين السلفيين الخاضعين لبرامج إعادة التأهيل في دول عدة؟ وسوف نتناول موضوع المراجعات الفقهية لدى الجماعات السلفية الجهادية المعاصرة بشكل تفصيلي من خلال استعراض الجذور التاريخية للمراجعات الفكرية والأسس التي قامت عليها تلك المراجعات، ومستقبل الحركات العنفية في العالم العربي والإسلامي في ظل الأخطاء التي ترتكبها حركات الإسلام السياسي المسلحة. جذور المراجعات الفقهية      تعتبر ظاهرة المراجعات الفقهية لدى الجماعات السلفية الجهادية المعاصرة أحد أهم القضايا التي استحوذت على اهتمام المراقبين والمحللين في الآونة الأخيرة، وذلك نظراً لأن هذه المراجعات جاءت من داخلها، وذلك عقب دخول الجماعات السلفية الجهادية في صدام مسلح مع كافة الأنظمة في العالم، والتي تمخضت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة نظراً للأيديولوجية السلفية التكفيرية والإستراتيجية القتالية العنيفة التي شكلت أحد التحديات الأساسية للنظم المعاصرة من خلال إخلال التوازن والاستقرار وإشاعة الفوضى، عبر استخدام الآليات الفقهية المحرضة على العنف، كالفتوى لتبرير أعمالها العنيفة باسم الجهاد، بهدف إقامة الخلافة الإسلامية.          لقد مارست هذه الجماعات عبر تاريخها أسوأ الأعمال بالاستناد إلى التراث الإسلامي الحنيف، وعملت على توسيع دائرة التقتيل والتكفير، بحجة العمليات الاستشهادية، ومسألة التترس، والمعاملة بالمثل، ودار الإسلام والكفر، والولاء والبراء، وغيرها من المفاهيم النظرية والعملية. وقد أدت عمليات التوسع في القتل والعمليات الانتحارية إلى توسيع دائرة الاستهداف لدى هذه الجماعات، حيث شهد العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر تغيراً في الإستراتيجية القتالية للسلفية الجهادية العالمية، وذلك بإدخال الغرب جميعاً في صلب الإستراتيجية العنيفة، من خلال توظيف مفهوم قتال العدو البعيد، كما أنها أبقت على قتال العدو القريب المتمثل في الأنظمة العربية والإسلامية، وذلك باعتبارها أنظمة كفر وردة، وقد أدت هذه الأيديولوجية والإستراتيجية إلى قيام عمليات مسلحة مفتوحة في الزمان والمكان، وظهرت عمليات القتل المجاني في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، من خلال تفجيرات نيويورك وواشنطن، وتفجيرات مدريد ولندن وبالي، ثم تفجيرات الدار البيضاء، والرياض، وعمان، فضلاً عن تكتيكات الرعب والعنف التي انتشرت في العراق وباكستان وأفغانستان.      لقد أدت عمليات التوسع في القتل والفتوى بالكفر إلى صدور مراجعات من داخل البنية السلفية الجهادية في العالم العربي والإسلامي، ومن أبرز هذه المراجعات وأقدمها المراجعات التي قامت بها "الجماعة الإسلامية" المصرية من خلال قادتها التاريخيين، وأسفرت عن صدور أكثر من أربعة عشر كتاباً تناولت فيه الأسس النظرية والعملية التي تمت من خلالها عملية المراجعة الفقهية، وفي مقدمتها التخلي عن الجهاد كطريق وحيد للتغيير وعن كافة أشكال العنف، وكذلك عن مجمل الأطروحات السلفية الجهادية التي تنادي بتكفير المجتمع والدولة، وقد شجعت هذه المراجعات عددا كبيرا من القادة البارزين داخل السلفية الجهادية في العالم العربي والإسلامي على إعادة النظر في مجمل أطروحاتها، كان من أبرزها المراجعات التي قام بها عدد من رموز السلفية الجهادية في المملكة العربية السعودية، كالشيخ علي الخضير، وناصر الفهد، وحمود الخالدي، والتي كان لها دور كبير في تراجع نفوذ تنظيم القاعدة في السعودية، كما أصدر الأمير السابق لجماعة الجهاد المصرية الشيخ سيد إمام الشريف كتابين في ترشيد العمل الجهادي، لا تزال آثارهما تتفاعل وتترك أثراً بالغاً على تنظيم القاعدة المركزي، والذي أصدر الرجل الثاني فيه "أيمن الظواهري" كتاباً بعنوان "التبرئة" فضلاً عن بيانات وأشرطة عديدة لعدد من قادة تنظيم القاعدة وذلك إدراكاً لخطورة هذه المراجعات على مستقبل التنظيم، وفي الأردن عمد أبو محمد المقدسي، وهو أحد أبرز منظري السلفية الجهادية الأردنية والعالمية، إلى إبداء تحفظات عديدة على منهج القاعدة وتحديداً فرعها في العراق بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، من خلال رسالة مناصرة ومناصحة، وكتاب "وقفات مع ثمرات الجهاد"، كما أصدر عدد من سجناء السلفية الجهادية المغربية مراجعات وتحفظات على مسيرة العمل الجهادي السلفي في المغرب، وفي الجزائر تخلى عدد من زعماء الجماعات الإسلامية المسلحة عن نهج العنف، وتخلى حسن حطاب مؤسس "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" والتي تحولت إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عن نهج العمل المسلح، ودخل في عمليات المصالحة الوطنية مع النظام الجزائري. إن هذه المراجعات الفقهية التي صدرت من رموز وفقهاء داخل النسق السلفي الجهادي، كان لها دور كبير في تراجع حدة العنف في كثير من دول العالم العربي، وحرمت الجماعات السلفية الجهادية من تجنيد أعضاء جدد، وسحبت الشرعية العلمية والعملية عن كثير من اجتهادات السلفية الجهادية، وفي مقدمتها "التقتيل" و "التكفير" ويمكن القول بأن بعض هذه المراجعات تتمتع بأهمية كبيرة على المستوى المتوسط والبعيد، ذلك بأنها تعمل على نقد الأسس النظرية والعملية التي قامت عليها السلفية الجهادية، وذلك خلافاً للمقاربة الأمنية والعسكرية والتي وإن كانت تحقق نتائج ملموسة على المدى القريب، إلا أنها تشكل عاملاً إضافياً في انضمام عدد آخر إلى صفوف هذه الجماعات على المتوسط والبعيد. الظواهري يرد على سيد إمام      جاء كتاب "التبرئة" للرجل الثاني في تنظيم القاعدة رداً على وثيقة "ترشيد الجهاد في مصر والعالم" التي أصدرها الشيخ "سيد إمام" والمعروف حركياً باسم "عبد القادر عبد العزيز" و "الدكتور فضل" ومن المعروف بأن سيد إمام كان أميراً لتنظيم الجهاد المصري الذي يضم أيمن الظواهري، إلا أنه خرج من التنظيم أواسط التسعينيات وآثر ترك العمل الجهادي بسبب خلافات داخل التنظيم، وعقب انضمام تنظيم الجهاد إلى تنظيم القاعدة تحت مسمى "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان" عام 1998، انتقل سيد إمام إلى اليمن وبقي فيها يعمل كطبيب، إلا أن الحكومة اليمنية قامت باعتقاله ثم تسليمه إلى مصر عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، وكان حتى هذا الوقت مؤيداً من الناحية النظرية والعلمية والشرعية لمجمل أطروحات السلفية الجهادية وأيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنه بدأ يعارض مسألة التوسع في الجهاد تحت قاعدة "مقاتلة العدو البعيد"، وبدأ في السجن يعمل على إنجاز مراجعة فقهية لمجمل الأطروحات الفقهية التي قررها في كتابيه "العمدة في إعداد العدة" وكتاب "الجامع في طلب العلم الشريف".      وقد صدرت هذه المراجعات باسم وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم، وقد حظيت هذه المراجعة باهتمام علمي وإعلامي وأمني كبير، الأمر الذي دفع تنظيم القاعدة للرد على مجمل أطروحات النظرية المتعلقة بالجهاد التي قررها "سيد إمام" وتولى الرجل الثاني في القاعدة الدكتور أيمن الظواهري، الرد على هذه الوثيقة بكتاب بعنوان "تبرئة أئمة القلم والسيف من منقصة تهمة الخور والضعف" والذي اشتهر باسم "التبرئة".      جاءت وثيقة سيد إمام وغيرها من المراجعات الفقهية بسبب جملة الأحداث الدامية التي وقعت في الآونة الأخيرة في العالم بشكل عام، والعالم الإسلامي بشكل خاص تؤشر على أخطاء خطيرة في مسيرة الحركات السلفية الجهادية، ولعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها وما أعقبها من تفجيرات وعمليات انتحارية في شتى أقطار العالم كما حدث في بالي، ثم ما حدث من تفجير مترو الأنفاق في مدريد، وبعدها في لندن، وغيرها من التفجيرات التي طالت عدة عواصم عربية كما حدث في تفجيرات مايو في المغرب 2003، وتفجيرات الرياض، وكذلك تفجيرات عمان، وسلسلة التفجيرات التي طالت العاصمة الجزائرية، فضلاً عن مسلسل العنف اليومي في العراق وأفغانستان، أثر الاحتلال الأمريكي لكلا البلدين، كجزء من الحرب على الإرهاب، التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في سياق ملاحقة تنظيم القاعدة والحركات الجهادية الراديكالية، وحرمانها من ملاذات آمنة.      فقد ارتبط مؤخراً وقوع تلك الأحداث الدامية بحركات الإسلام السياسي وعلى رأسها الحركات السلفية الجهادية وفي مقدمتها القاعدة، بشكل مباشر أو غير مباشر، فحادثة تفجير بعض المساجد في باكستان، واعتقال خلية كبيرة تقف وراء التخطيط للقيام ببعض التفجيرات في الحرم المكي، بحسب المصادر الرسمية السعودية، وغيرها مما يشاع من عمليات تنفذها الجماعات الإسلامية المسلحة المختلفة في العراق، والتي يذهب بسببها المدنيون الأبرياء والآمنون ضحايا، إلى غير ذلك من عمليات تنفذ ضد أهداف في بلاد عربية وإسلامية بحجة الجهاد ومقاومة الاحتلال. بقلم: مروان شحادة منقول عن صحيفة الحقيقة الدولية  بتاريخ:8/9/2009

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.