العمل بالأغلبية في الفكر الإسلامي

  “العمل بالأغلبية” ـ أو الأكثرية ـ يراد به : ترجيحُ الرأي الذي قال به أكثر المشاركين برأيهم في مسألة من المسائل المتداول بشأنها ، والأخذُ به .   وأما “الأغلبية” نفسها ، فهي العدد الغالب من ذوي الرأي في المسألة ، أي ما زاد على نصفهم . وهذا ما يعرف بالأغلبية المطلقة . فإذا قيل:”الأغلبية” بدون تقييد ، فهي المقصودة . وأما الأغلبية المحددة بنسبة معينة ، فهذه تذكر عادة بنسبتها المحددة ، كأنْ يقال:أغلبية الثلثين ، أو أغلبية ثلاثة أرباع ، أو نحو ذلك.   العمل بالأغلبية المطلقة ـ وأحيانا بأغلبية محددة ـ شائع ومسلم اليوم في مجالات واسعة وكثيرة ، كالاستفتاءات ، والانتخابات العامة والخاصة ، واتخاذ القرارات داخل الهيئات الجماعية، سواء في مؤسسات الدول والحكومات ، أو في الهيئات الأهلية ، وحتى في الهيئات الخاصة كالشركات. فما هو موقع الأغلبية وحكمها في الإسلام ، وفي الثقافة الإسلامية؟    أول ما يسجل بهذا الصدد ، هو أن هذه القضية لم تبحث بشكل واسع جامع . بمعنى أنها ليس لها موضع معلوم تعالج فيه ، كبعض أبواب الفقه ، أو في مباحث معينة من علم أصول الفقه ، أوفي كتب السياسة الشرعية . وإنما تذكر بشكل مقتضب ، مع تطبيقات متفرقة لها ، فيعدد من العلوم الإسلامية . ولعل أول بحث جامع لها ـ نسبيا ـ هو الذي جاء في أطروحتي للدكتوراه ( نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاها في العلوم الإسلامية) ، التي نوقشت سنة 1992. ففيها فصل خاص عن هذه القضية. الترجيح بالكثرة في الفكر الإسلامي لعل مصطلح “الترجيح بالكثرة”، الوارد في عدد من العلوم الإسلامية ، هو الأكثر استعمالا والأكثر تعبيرا عن قضيتنا. ـ ففي علوم الحديث ، نجد مناقشات وتطبيقات ، حول الترجيح بالكثرة بين الأحديث المتعارضة ، الواردة في الموضوع الواحد ، أو بين الروايات المختلفة للحديث الواحد ، إذ اختلفت بالزيادة والنقص أو غيرهما من وجوه الاختلاف . وفي المسألة نقاش حول أي الترجيحين مقدم على الآخر : الترجيح بالأحفظية ، أو الترجيح بالأكثرية ؟ بمعنى: إذا اختلف الرواة ، هل نرجح رواية من هو أحفظ وأضبط ، أم نرجح الرواية التي عليها الأكثرية من الرواة ؟ وهذه الموازنة والمفاضلة بين الترجيحين ، إنما يُلجؤ إليها ، إذا كان جميع الرواة من أهل الحفظ والأمانة ، ولكن بعضهم أحفظ من بعض ، فحينئذ تجري المفاضلة ترجيح عنصر الحفظ أو عنصر الكثرة ، أما الرواة الضعفاء ، فلا يمكن ترجيحح روايتهم على رواية الثقة الواحد ، مهما كثر هؤلاء الضعفاء. والذي يعنيني الآن هو أن الترجيح بالكثرة أو بالأكثرية ، بين الروايات الحديثية ، موجود ومعمول به لدى علماء الحديث . وأساسه أن زيادة عدد الرواة الثقات ، له مزية ورجحان على رواية الواحد الثقة ، وعلى رواية العدد الأقل من الثقات. ـ وفي المجال الفقهي أيضا، يُعتمد الترجيح بالكثرة عند اختلاف الأقوال الفقهية الاجتهادية . وينطبق هذا ابتداء من الصحابة رضي الله عنهم . قال أبو إسحاق الشيرازي “وإذا كان على أحد القولين أكثر الصحابة، وعلى الآخر الأقل ، قُدّم ما عليه الأكثر، لقوله صلى الله عليه وسلم “عليكم بالسواد الأعظم.” [1] وقال ابن القيم “فإن كان الأربعة ـ يقصد الخلفاء الراشدين ـ في شق، فلا شك أنه صواب، وإن كان أكثرهم في شق، فالصواب فيه أغلب.” [2]    وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: “استشارني عمر في أمهات الأولاد (يعني الإماء)، فأجمعت أنا وهو على عتقهم ، ثم رأيت بعدُ أن أُرقَّهم. فقال له عبيدة (هو عبيدة السلماني، تابعي): رأيُ ذَوَيْ عدل أحب إلينا من رأي عدل واحد.” [3]   وفي مسألة أخرى مماثلة قيل له : لَأمْرٌ جامعتَ عليه أمير المؤمنين، و تركت رأيك ، أحب إلينا من أمر تفردت به ، فضحك.[4]   قال البزدوي : “وإنما اختار أبو عبيدة أن يكون قول علي منضما إلى قول عمر رضي الله عنهما، لأنه كان يرجح قول الأكثر على قول الأقل ، وعلي لا يرى الترجيح بالكثرة بل بقوة الدليل”[5]   على أن الاختلاف ـ أحيانا ـ في الترجيح بالكثرة أو عدمه، لا يلغي كون هذا المبدأ قد عُمل به عند عامة الفقهاء ، وأن لكل فقيه أن يأخذ به ، إذا لم يظهر له وجه الصواب في المسألة ،” لأن الأغلب أن الصواب يكون مع الأكثر” كما يقول أبو الحسين البصري [6]. ولذلك قرر شمس الأئمة السرخسي أن “ الترجيح بالكثرة ... أصل في الفقه ، فإن للأَكثر حكم الكمال”[7]   وذهب بعض الفقهاء إلى الترجيح بالكثرة في شهادة الشهود أمام القضاء ، فتقدم شهادة الشهود الأكثر عددا على الأقل عددا . غيرأن هذا القول يجد اعتراضا أكثرلدى الفقهاء ، لما يمكن أن يشوب تكثيرالشهود من تلاعب وحشد للمأجورين أو التابعين أو المتحيزين . وعموما يمكن القول : إن العلماء قد أخذوا بالأكثرية العددية ، واعتبروها مرجحا ، فيما ليس فيه مانع معتبر. وقد عملوا بهذا المبدأ في مجال الرواية ومجال الدراية معا.   ـ وأما في المجال السياسي ، فقد نص العلماء على فكرة الأغلبية، لكن بصيغ وعبارات مختلفة في معظم الأحيان . ويتجلى ذلك في اشتراطهم لانعقاد البيعة الصحيحة ، أن يؤيدها ويلتف حولها من الناس ، ما تحصل به الشوكة والمنعة والانقياد العام.[8]   غير أن الإمام الغزالي كان أكثر تصريحا وتوضيحا في التنصيص على اشتراط الأغلبية لذلك . فهو يرى ـ كشيخه الجويني ـ أن مبايعة عمر لأبي بكر لم تصبح لازمة نافذة ، إلا بالتأييد الواسع والفوري ، الذي حظيت به ، “ ولو لم يبايعه غيرُ عمر، وبقى كافة الخلق مخالفين ، أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب ، لما انعقدت الإمامة.”   ثم يضيف : “فإن شرط ابتداء الانعقاد قيامُ الشوكة ، وانصرافُ القلوب الى المشايعة ، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة ، فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمعُ شتات الآراء ، في مصطدم تعارض الأهواء . ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة ، على متابعة رأي واحد ، إلا إذا ظهرت شوكته ، وعظمت نجدته، وترسخت في النفوس رهبته ومهابته ، ومدار جميع ذلك على الشوكة ، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من مـعْـتَـبَـري كل زمان.”[9] السيرة النبوية والأخذ بالأغلبية   نبي الله ـ كما هو معلوم ـ مؤيد بالوحي معصوم . فلو أنه لم يستشر قط في حياته أحدا ، لكان الأمر واضحا لا غبار عليه . ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يتصرف ليَسُن لأمته، وليرسم النهج للأئمة من بعده . فلذلك كان يستشير ويكثر الاستشارة ، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه : ( ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه و سلم )[10]   لكن هل كان يلتزم ـ في مشاوراته مع الصحابة ـ الأخذ برأي أكثريتهم ، أم يُمضي ما يراه حتى لوكان على خلاف مستشاريه ؟   الحقيقة أنه لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في أمر، ثم خالف رأيهم أو رأي أكثريتهم فيه ، بل الثابت هو العكس . وفيما يلي نماذج من ذلك في غزوة بدر:   لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بأن قريشا قد تجهزت لقتال المسلمين، استشار الصحابة في شأن الاستعداد لملاقاة قريش ومناجزتها . فتكلم أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو، وكلهم أيدوا الرأي النبوي لمواجهة قريش ، ولكن هؤلاء الثلاثة كانوا كلهم من المهاجرين، وكان عليه السلام يريد أساسا معرفة رأي الأنصار، فاستمر يقول: “أشيروا علي أيها الناس”. قال ابن إسحاق: “وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس”.([11]) أي أكثريتهم.   فقد كان عيله السلام ، حريصا على معرفة رأي الأكثرية ، ومدى استعدادهم للقتال ضد قريش. فلذلك أراد أن يسمع رأي زعماء الأنصار بالذات . فلما علموا هذا وفهموه ، قاموا فأعلنوا تأييدهم وجاهزيتهم للمعركة . فلما ضمن ذلك وتأكد منه، بتصريح سادتهم وزعمائهم أمر بالانطلاق قائلاً: “سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم”.([12]) وفي غزوة أُحُد :   لما علم المسلمون بتجهز قريش وتحركها لمقاتلتهم بالمدينة ، استشار عليه السلام عموم الصحابة ، فكان رأي أكثرهم الخروج لمناجزة المشركين خارج المدينة ، حتى لا يظن الأعداء وعموم العرب ، أن المسلمين ضعفوا وجبنوا . وكان رأي النبي وجماعةٌ من شيوخ الصحابه ، هو الـمُـكث في المدينة ، فإذا دخلها المشركون سهُل على جميع المسلمين الانخراط في قتالهم ، ومع ذلك فقد أخذ عليه الصلاة والسلام ، برأي الأكثرية المخالفة لرأيه. الدستور:  03-02-2012  

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.