الشباب والإرهاب: في حدود وممكنات إصلاح الحقل الديني

في غضون الأسبوع الماضي، حدثني أحد الأصدقاء عن خبر سفر قاصرين ( توأمين)لم يتجاوزا سن 16سنة، إلى سوريا بمعية أحد المدربين الرياضيين، الذي كان يسهر على تدريبهما، في ما يشبه نادي للرياضة بمدينة سلا. وقد استوقفني الحدث، نظرا لخطورته، وحجم تداعياته على راهن ومستقبل الشباب المغربي. ولعله ليس بالحدث الجديد، إذ أننا نتابع مجريات الأمور، ونلاحظ أن هناك أيادي، تعمل على ترحيل الشباب إلى سوريا باسم "الجهاد" وما إلى ذلك من الدفوعات التي تقدم لهذه الفئة الحرجة، سواء عبر مسلك غسل الأدمغة، أو عبر تقديم مجموعة من الاغراءات. لكن المثير في الأمر هو أن يتم استقطاب فئة القاصرين وصغار السن والفتيات، فهذا مما ينذر بتحول عميق يمس موجة الارهاب الجديد، والذي يحتمي بتقديم نوع من المظلومية وكسب عطف المغاربة مع سكان أهل الشام. وللإشارة فهذه النبرة يستخدمها من يأتي من السوريين للمغرب، كلاجئين لطلب المعونة والتضامن مع محنتهم " نحن يا إخوان من سوريا طلبين عونكم، فالرسول وصى على أهل الشام". إن هذا الحدث لا يعد حدثا معزولا أو استثناء، بل هو يؤشر في –اعتقادنا- على بوادر تسلسل الفكر "الجهادي" لعقول ونفوس فئة من الشباب المغربي، عبر وسائل متعددة ومتنوعة ومتداخلة ومعقدة في الآن نفسه. لكن ليسمح لنا القراء، أن نقربكم، من حالة القاصرين اللذين سافرا (أو هجرا) إلى سوريا، للالتحاق بصفوف ما يسمى "الجيش الحر". فهذين الطفلين، ينحدران من أسرة سلفية تعيش عوزا كبيرا، أبوهما يحرص على التقيد التام بتعاليم الدين في أدق التفاصيل، (اللحية واللباس...) وأمهما كذلك، ترتدي النقاب، وقد كانا من أشكس الأطفال في الحي ومن بعد في المدرسة، حتى أن أباهما ضاق ذرعا بتصرفاتهما، وقد انتهى بهما المطاف إلى الانقطاع عن الدراسة، في مستوى السابعة إعدادي (ولعل هذا المستوى هو الذي يسجل أعلى معدلات الهدر المدرسي ببلادنا). بعد ذلك، التحقا بعالم التجارة، وبدء يقومان ببعض المناولات التجارية البسيطة، إلى أن التقيا بهذا الشخص/ المدرب الذي سهر على تدريبهما وبعد ذلك، التوجه نحو سوريا، بدون خبر أسرتهما، وقد كان "مقدم الحومة"، هو الذي أطلع أبويهما عن مصير ابنيهما، بعدما تعبا من البحث عليهما في المغرب. إن هذا المسار، يجعلنا نتساءل: من المسؤول عن هذا الوضع المأساوي الذي يهدد شبابنا وأطفالنا وفتياتنا؟ أين هو دور المخابرات المغربية في تتبع هذه الشبكات، وترصد خططهما؟ وكيف تم السماح لقاصرين بالسفر خارج المغرب، دون إذن ولي أمرهما؟   وإذا كانت الأسئلة التقنية والأمنية تبقى مطروحة، فإن هناك أسئلة محرقة أخرى تستحق منا بعضا من التوضيح، من قبيل: ما هي نتائج وآثار إصلاح الحقل الديني بالمغرب، الذي انطلق عقب الأحداث الإرهابية الأليمة، في 16 ماي؟ وهل استطاعت هذه السياسة الإصلاحية الدينية، أن تنفذ إلى قلب الفئة الحرجة في المجتمع المغربي: الشباب؟ وما هو دور بقية القطاعات الحكومية في الحد، بل استباق لكل التداعيات التي يمكنها أن تلحق بهذه الفئة الحيوية؟ وما هو آداء بقية الأطراف الفاعلة في الحقل الديني، ونقصد بشكل مباشر الحركات الإسلامية والدعوية في التصدي لظاهرة الإرهاب؟ هي أسئلة، بل إشكالات، لا ندعي الإحاطة بها، لكن حسبنا في هذه المساهمة، أن نلقي بعضا من الضوء على عتمة هذه الظاهرة الخطيرة التي باتت مشكلة القرن الحادي والعشرين. كما يعلم الجميع، مع وقوع الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء من العام 2003، طرح السؤال بحدة: من يؤطر الشباب على المستوى الديني؟ وما هي الأطراف الفاعلة في تنشئة هذه الفئة؟ ولا شك أن حدث 16 ماي، بين أن المغرب، لا يمكنه أن يكون في منأى عن هذه الأحداث، وأن مقولة الاستثناء التي كان يروجها البعض، لا محل لها من الإعراب. والجدير بالذكر، أن الفاعل الرسمي، ممثلا في مؤسسة إمارة المؤمنين، تفاعل مع الحدث بشكل استثنائي، بل إنه أعلن عن خطة أو رؤية شمولية للحد من الظاهرة. ولتقريب القارئ من بعض توجهات هذه الخطة، يمكن أن نشير بعجالة إلى ثلاثة مداخل أساسية، تستند على خلفية فلسفية وتصورية، تعتبر أن انتعاش الارهاب والأفكار الجهادية والمتطرفة، مرتبط بشكل أساس بالهشاشة السوسيواقتصادية والسوسيوثقافية، وهكذا كان الاعتماد على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وخطة إصلاح الحقل الديني، والاستمرار في مسار الاصلاح الديمقراطي. وحيث أننا لن نتوقف عند مستوى تتبع آثار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو حتى إلى مدخل الإصلاح الديمقراطي، فإننا سنكتفي برصد بعض المؤشرات الخاصة بخطة إصلاح الحقل الديني. لا جدال في أن المغرب عرف لأول مرة في تاريخه، مسارا جديدا لاصلاح الحقل الديني، لا يقطع مع تركة الماضي(عهد الحسن الثاني،)، لكنه يستحضر حجم التحديات التي باتت مطروحة عليه، وقد تجسد ذلك، في تعبئة مجموعة من الموارد المالية والبشرية والكفاءات الشابة، والتي تتمتع بتكوين عال (أغلب رؤساء المجالس العلمية، يحملون شهادة الدكتوراه). ويمكن اعتبار التجديد الذي طال هذا الحقل، هو مأسسة الاعلام الديني، عبر قناة فضائية، وأخرى إذاعية (بدأت تستقطب نسبا هامة من الاستماع)، وذلك في ظل الاختراق القوي الذي قام به في السابق، الاعلام الديني المشرقي، ممثلا برموزه المتنوعة والمختلفة الاتجاهات والمشارب والرؤى. وقد كان الفاعل الرسمي واعيا بحجم التداعيات والتحولات التي طالت المشهد الديني، عندما اعتبر في إحدى خطبه التوجيهية (تطوان،2008) أننا نعيش عصر "ضياع المرجعيات" وأن الفئة التي تستحق كل عناية وجهود الاصلاح الديني وفاعليه المباشرين، هي فئة الشباب. لكن ما يمكن إثارته في هذا السياق، هو أنه برغم كل تلك المجهودات والمبادرات، فإن المعطيات السوسيولوجية التي يمكن الوقوف عندها في الميدان تبين مدى انحسار حضور مؤسسات ورموز وأفكار التدين المغربي وسط فئة الشباب. ففي بحتنا الذي أجريناه في إطار عمل أكاديمي، تبين لنا ضعف الثقة بالفاعلين الدينين الرسميين، وغياب أدنى معرفة بمؤسسات المجالس العلمية المحلية (قد يواجهنا أحد بأن هذا الاستنتاج متسرع وفيه الكثير من التجني، لكننا نعتقد أن الجواب المنطقي والعملي على هذه الفرضيات هو مباشرة بحث ميداني عام يشمل كافة تراب المملكة لتفنيد أو تعضيد الفرضيات المعلنة). بل أكثر من ذلك، تبين لنا في إطار نفس العمل (البحث الميداني)، أن الشباب المستجوب لم يتعرف على العلماء المغاربة، بالمقابل، تمكن من اختيار بعض الدعاة المشارقة، "كمحمد حسان" ، والذي يجد له حضورا عند الذكور بينما حضرت شخصية "عمرو خالد"، كأفضل شخصية عند الفتيات. خلاصة الكلام، أن التتبع العلمي لمسار إصلاح الحقل الديني، الذي دخله عامه التاسع، لم يستطع أن يؤدي أدواره في تعزيز حضور التدين المغربي الوسطي الاعتدالي المنفتح، مما يطرح معه ألف تساؤل: هل يمكن أن نباشر إصلاحا في قطاع ما دونما انخراط كافة الفاعلين، وضمان انسجام كافة القطاعات الحكومية الأخرى؟ ليس جديدا أن ندعي أن نجاح أي خطة إصلاحية، تقتضي المشاركة الحقيقية، كافة القطاعات والفعاليات، خصوصا في مجال يتقاطع فيه الكثير من المتدخلين. لكن الحاصل، هو أننا لاحظنا أن تدبير الحقل الديني، بقي في دائرة جد ضيقة، ولم يستطع أن يوسع من ضمان مشاركة الجميع، بدليل أن قطاعات الشباب والتعليم والثقافة والاعلام، لا تنسجم خططها ورؤيتها وبرامجها مع رؤية الاصلاح الديني. ففي الوقت الذي يسعى الخطاب الديني أن يعزز القيم الدينية الاسلامية المغربية، نجد البرامج المدرسية تنحو نحو تقديم صور مزدوجة أو في أحسن الأحول "تلفيقية" لا تؤسس لقيم متوازنة، بقدر ما تعمل على توسيع مجال تشظي القيم عند فئة الشباب، الشيء الذي يطرح لها قلقا مستمرا، قد يتطور إلى حد تبني طروحات راديكالية أو منفلتة من كل عقال، وهو ما يلاحظ في تمثلات واتجاهات الشباب المغربي للدين وللسلوكات والممارسات اليومية. من جهة أخرى، يمكن القول أن تبني فلسفة تسلطية تحكمية في الحقل الديني، فوت فرصة هامة على بقية الفاعلين الدينين غير الرسميين (حركات إسلامية وجمعيات دعوية)، من أن تنخرط في إنجاح هذ المسار. ولعلنا لا نعوز الأدلة لتقديم مشروعية هذه الفرضية. وقد كان متوقعا من طرف العديد من المتتبعين، أن يكون لحزب العدالة والتنمية دور محوري في تسريع وتيرة الإصلاح في هذا الحقل، لما يمتلكه من رصيد خبرة كبير في هذا المجال، لكن تحديات الحقل السياسي الأخرى، وسياسيته الذاتية للجم كل تنافس مع المؤسسة الملكية، دفعا به إلى تأجيل كل حديث عن القضايا ذات الطابع القيمي والديني. ختاما، لا يمكننا أن ندعي أننا أتينا على كل عناصر الإجابات الممكنة، لفهم جزء من الخرائط الذهنية الداخلية، التي لا زالت تعتمل و تغذي فكر الارهاب و"الجهاد" والتكفير، لكننا بالمقابل، حاولنا أن نثير مجموعة من التساؤلات علها تستثير الباحثين والمهتمين، للنبش في هذه الإشكالية التي ستستمر في الانتشار في ظل أجواء إقليمية جد متوترة وفي ظل عجز النخب الدينية المحلية، عن ملء الفراغ المهول الحاصل في عملية التنشئة الدينية لفئة الشباب، مما يدفعها للارتماء في أحضان شبكات الارهاب الدولي، وليس ترحيل القاصرين أو غيرهم إلى سوريا سوى نموذج مصغر لما ندعيه.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.