الرسول عليه السلام وحده الأسوة الحسنة

هناك حقيقة على غاية من الأهمية، كانت ولا زالت منارة من معالم التفكير الإسلامي والثقافة الإسلامية، وكانت دائماً ملازمة للحياة الإسلامية ليصح التصور وينضبط السلوك، وهي: أنه لا يجوز أن يُعتمد أحد كائناً من كان معياراً للحق أو أن يُظن أنه أعلى من أن يناله أحد بالنقد أو يجد فيه مأخذاً، كما أنه لا يجوز لأحد أن يخضع لآخر عقلياً أو فكرياً إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة «.    إنّ المقياس الإلهي المجرد الذي تجسم في حياة الرسول الكريم وسيرته الشريفة هو المقياس الذي يوزن به الناس ويأخذ كل إنسان حقه ومكانه ومنزلته من هذا الميزان العادل الذي يستحقه، ومن هنا فالإلتزام إنما يكون دائماً وأبداً بالمنهج الإسلامي، بما شرعه الله لنا، وليس الالتزام بالأشخاص، أو التنظيمات، أو الجماعات، أو الحكومات التي هي دائماً محل للخطأ والصواب.    والكارثة والخلل والعلل تتسلل إلى الحياة الإسلامية من خلال العدول عن هذا المقياس، أو محاولة استلابه من يد الإنسان المسلم، ومن ثم تكون العصمة الكاذبة التي تخلع على بعض الأشخاص، والمسوغات المضحكة التي توضع لتصرفاتهم وأخطائهم،  وهذا بدء مرحلة السقوط، حيث تبدأ عملية تخديم الأهداف والقيم لاخدمتها، وقد يكون هذا من طبيعة البشر عندما تسيطر عليهم فترات الضعف، أو تستبد بهم حالات اليأس، أو تمارس عليهم حالات الإرهاب الفكري أو الفساد السياسي، فتفصل الأحكام على الأشخاص، وتؤصل الحيل الشرعية حتى يصبح لها مؤلفات،  وتنمو طبقة المتزلفين الطامعين بالمال أم الحكم أم الجاه، وتؤول الآيات والأحاديث على مقتضى الأهواء الكاذبة.   ولا يجوز أن يظن أحد أن الدعوة إلى الإلتزام بالمنهج مقياساً وميزاناً للحق والباطل، وعدم الإلتزام بالأشخاص الذين يخطئون ويصيبون هي ارتداد إلى الفردية، وبعثرة للجهود، وابتعاد عن جماعة المتقين كافة، فهذا ليس من الأمور الإختيارية بالنسبة للمسلم، وإنما هو في حقيقته تصويب لمسيرة حياة المسلمين الجماعية، وإلغاء للإقطاعات البشرية من حياة الناس، والإلتزام بالإسلام الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: « ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه»، فالاجتماع على المنهج وليس على الأشخاص، إلا في حالة العمى العقلي وعدم الإبصار الصحيح بسبب التعصب لفئة أو شخص أو عرق أو قوم، أو في حالة عدم وجود العزمة الأكيدة على الإلتزام بهذا الدين.   من هنا ومن لوازم هذا الدين أن تكون الطاعة مبصرة، وأن يكون المقياس منضبطاً، وليس هذا من الأمور المحدثة، بل هو طريق مسلمي خير القرون، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول للمسلمين في أول كلمة من فوق منبر المسؤولية: « أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم»، وفي هذا تربية للفرد المسؤول في مركز القيادة والحكم والسلطان، فلا يضمن الطاعة له إلا بطاعة أوامر الله والتزام المنهج القويم، وتربية للفرد العادي أيضاً لتستيقظ حواسه ويمتلك القدرة والبصيرة النيرة، فلا يحق له الطاعة إلا بالمعروف.   ومن هنا أيضاً كان الإسلام لكل المسلمين، وكان مجتمع المسلمين مجتمعاً مفتوحاً يتألق بالحقيقة والإستقامة وإستنشاق الهواء النظيف بعيداً عن سياط الإرهاب الفكري دينياً كان أو سياسياً، لا عصمة فيه لطبقة من حكام أو رجال دين يحتكرون المعرفة، او يتحدثون باسم الله، فيصبح قولهم هو القانون وهو الدين وتصبح اشخاصهم هي المقياس، فتتسلل القداسة للأشخاص وما يمارسونه، وبذلك يكون الفساد والإفساد الذي لا ينفع معه علاج الترقيع، فإصلاح ما فسد من حياة الفرد والجماعة يكون بالعودة الجادة إلى الجوهر النقي واللباب الخالص، إلى المرجعيات التي لا يأتيها الباطل من أي جانب، لأن الله ورسوله مع الذين صدقوا واتقوا وحرصوا دوماً على الدين والوطن والأمة، وصدق الله العظيم» ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم». الرأي: 17/2/2012    

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.