لم أفهم وأنا في الصف الثاني لماذا كان جهاد في حصة "الدين" ساكتا لا يرفع يده ولا يقرأ، والأستاذ أيضا كان لا يسأله. جهاد تلميذ متفوق ومثالي وحيوي، وليس طبيعيا أن يكون في هذه السلبية! سألته لماذا لا يجيب ولا يقرأ القرآن معنا، فابتسم ولم يجب. قال لي تلميذ مجاور لي: إنه مسيحي. لم أفهم معنى "مسيحي".
أعرف أن جهاد من عائلة "حداد" ونحن نعيش معا، ونزرع معا طوال حياتنا، وننظر إلى بعضنا كأبناء عمّ؛ نأكل ونلعب في بيوت بعض. كان أبي متدينا تدينا لا تدانيه قصص الصالحين والأولياء وأخبارهم في الكتب والآثار، وجدي كان شيخ البلد، ووالده الذي لم أدركه كان شيخا متعلما أيضا. ووالدتي أيضا، وجدتي وأعمامي وإخواني الكبار جميعهم متدينون تدينا مثاليا ملتزما. وكنا الشباب والأطفال والرجال الكبار والنساء من الغرايبة وأبو صيني والحدادين نعيش ونعمل ونأكل معا، ولم يخبرني أحد أن الحدادين مسيحيون، ولم يخبرني أحد معنى مسيحي
كان الأستاذ شتيوي حدّاد يعيش معنا ويصرّ على أن يصوم رمضان، وكان أخي أبو عكرمة يبذل جهدا لإقناعه بالإفطار.. وأتذكر وأنا طفل صغير أن أبو شتيوي كان يقول لأبي إنه يحرص على صيام العشر الأواخر، وحدثه عن خوري يصوم رمضان.وفي العام 1935 في أثناء عمليات تسجيل الأراضي، ادعى ناس أنهم اشتروا أرضا لنا نملكها نحن والحدادين معا. ويبدو أن رشوة قدمت لأجل تسجيل قطعة أرض في الغور الشمالي وتبلغ مساحتها 465 دونما، وشهد مع الراشين بعض الناس. وكان مأمور التسوية مسيحيا، وعندما عرف أن شريكنا في الأرض "أديب حداد" مسيحي قدم له ليرتين ذهبا تعويضا عما فقده، وقال له: الأرض رايحة رايحة، خذ الليرتين أحسن لك. فرفض أديب وخسرنا الأرض معا، وخسر هو الليرتين! وبالمناسبة، فقد انتزع من أراضينا في الور الشمالي 33 ألف دونم بين العامين 1908 و1910. لم تكن الأرض قبل العام 1935 تباع وتشترى، كان يجري بيع وتسويات بين الأقارب والشركاء والمجاورين حول قطع أرض صغيرة، لمن بيعت الأرض ومن قبض ثمنها، وأين ثمنها إن كانت بيعت، كيف يبيع الناس أرضا بهذه المساحة الواسعة ويظلون لا يملكون قرشا واحدا؟
ذات يوم مثل هذه الأيام، عندما استرحنا في الظهيرة لتناول الغداء، تنحت أم عصام رحمها الله جانبا ولم تشاركنا الطعام. أخذت قطعة خبز وكاسة شاي، ثم أخذت تدخن "الهيشي". قالت معتذرة عن المشاركة في الطعام إنها صائمة، وكانت تعمل معنا سيدة من "الصقور" المقيمين بجوارنا، فتساءلت بحيرة كيف تقول أم عصام إنها صائمة وهي تشرب الشاي وتدخن؟ قالوا لها إنها مسيحية تمتنع عن أكل المنتوجات الحيوانية فقط .. قالت: والله هذا صيامٍ زين.
جريدة الغد 23/03/2012
الكاتب