ان يدخل “الديني” الى حقل السياسة او العكس، هذا امر مفهوم، لكن غير المفهوم وغير المشروع ايضا، ان يخلط بين الحقلين، او ان يضع رجلا في الحقل واخرى في البيدر، لانه عندئذ يتحول من “داعية” الى “مستدعى” ومن ناطق باسم ضمير الناس الى “مروّج” لمواقف سياسية لا علاقة للدين بها اصلا.
صحيح ان وظيفة “الدين” هي هداية الناس وارشادهم لكن هذه الوظيفة تحتاج من “الديني” الى فهم عميق لمقاصد الدين وغاياته بعيدا عن استخدام “المنابر” لجلد الناس وشتمهم واطلاق الاحكام والفتاوى لتمرير مقررات هنا.. او تجريم مواقف هناك.
ما يثير الانتباه هنا، هو ان احد الوزراء المحسوبين على خط “الدعوة” حاول ان يقتحم اكثر من مرة المجال العام لتوظيف الدين لاهداف سياسية او “لتزيين” السياسة من خلال الدين، ومع احترامنا لنوايا الرجل فان الخلط بين قضايا السياسة التي يجوز فيها الخطأ والصواب وبين قضايا الدين التي تخضع لمنطق الحلال والحرام، اوقعه في فخ الصدام مع الجمهور، ووضعه في دائرة “التوجه السياسي” وهي دائرة يفترض ان يخوض فيها الساسة المعنيون بالقضية لا الدعاة المنحازون الى المبادىء والقيم التي يحرسها الدين وينأى بها عن معارك السياسة، اذا ما اضفنا الى ذلك “استنفار” بعض الأئمة والخطباء للتحريض ضد مطالب المعلمين او دعوات الإصلاح وحراكاته، ومن ثم توظيف “خطاب” المنبر لتجريح مواقف البعض وتحميلهم “آثام” ممارساتهم باعتبارها “حراما” او خروجا على احكام الدين وبالتالي الدعوة الى معاقبتهم والقصاص منهم فنكون عندئذ امام “حالة” مفزعة، فيها يتدخل الديني “بالسياسة” من زاوية الاستدعاء والطلب لا من اجل توجيه الناس وارشادهم الى الصواب وانما من اجل “تأثيمهم” على اجتهاداتهم، وتجريمهم بسبب مواقفهم، وهي احكام لا تستند الى نصوص صريحة، ولا تعبر عن مقاصد الدين، وانما تعبر عن “رأي” اصحابها وحتى حين نحسن الظن بهم يظل “رأيهم” متعلقا بالوسائل لا بالمضامين، بمعنى ان ما ذهبوا اليه يتعلق بادانة الوسائل فقط مع ان المطلوب هو النظر الى المقاصد ايضا.
ما يدهشنا في مواقف “الديني” من القضايا السياسية هو انحياز لطرف ضد الآخر، واقتصار “خطابه” الوعظي على نقد “الجمهور” وتجنب نقد “السلطة” والمسؤول وفي هذا “اختزال” لدور الدين وتجريح لمقاصده، وتجاوز مكشوف “لاولويات” المجتمع التي يفترض ان يعرفها الديني ويتبناها اذا ما اراد ان يقنع الناس ويحافظ على صدقيته معهم.. وثقتهم به.
ما يدهشنا ايضا هو ان “الديني” يتصور احيانا بان جمهوره الذي يعضه او يصدر الاحكام عليه اقل “تدينا” منه او انه مجموعة من “العصاة” الذين يفترض زجرهم او “تقويمهم”، وهذا بالطبع غير صحيح، فأغلبية هؤلاء الذين تصدر ضدهم الفتاوى والاحكام “مسلمون” متدينون وملتزمون، وربما اكثر ورعا من بعض الواعظين.
حين تدقق في “خطابنا” الديني وخاصة عندما يختلط “بالتوجيه السياسي” سواء صدر عن وزير او داعية تشعر “بالفزع” من منطق التوظيف والاستخدام والتغطية، وتتمنى لو ان هؤلاء انصرفوا الى الحديث عن مجالات اخرى لا علاقة لها بشؤون الناس العامة، او انهم صمتوا عن الخوض في احكام الواقع.. هذه التي تحتاج الى فقه مستنير وشجاعة في الطرح وسداد في المواقف بعيدا عن “البحث” عن الشعبية او “الارضائية” أو النجومية..
التاريخ : 12-02-2012
الكاتب