الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبه وسلم أجمعين وبعد :
فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( العلماء ورثة الأنبياء ) وهو حديث صحيح في سنن أبي داوّد وقد أخبر إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد أمر هذا الدين ، إذن العلماء لهم الدور الأساسي في حماية الدين والتصدي لكل من يريد أن يتعدى على الدين بأفكار هدامة ولما كان لهم هذا الدور الريادي والعظيم ، وإن أعداء الدين الذين يريدون تشويه الدين واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من جنود إبليس كما قال تعالى﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (البقرة: 217) فقد اتخذوا لأنفسهم مبدأ محاربة الدين بكل الوسائل ومن هذا المنطلق بدأ استهداف العلماء وهو في نظر أعداء الدين أسهل طريق وأفضل حتى من القتال ، لذلك كانت الماسونية العالمية وأعداء الإسلام يسعون لإبعاد العلماء عن دورهم الحقيقي حينئذ سيكون الطريق سهلا لإبعاد المسلمين عن العلماء ليمهدوا ببث الخرافات والأفكار الهدامة وتخريب عقول المسلمين بالاتجاه الذي يخدم هدم الدين وهذا هو سعيهم ، ولذلك كان شعارهم الذي وضعوه, وبدأ العمل به من خلال أناس دخلاء على الإسلام لتحقيق أهدافهم المرسومة، حيث كان شعارهم (إلصاق التهم وبث الأكاذيب على العلماء من اجل إسقاطهم من أعين الناس وعزلهم).
وكلنا يعلم أن العلماء يخطئون ويصيبون كغيرهم من بني البشر، ومازال السلف الصالح يوصي بعضهم بعضا أن أصبروا
في موقف ينسي الحليم سداده ويطيش فيه النابه البيطار
العلماء بشر، وقد يستوحش الطريق لقلة السالكين ... فكن معهم ! وإذا كانت كلمة العلماء تعني شيئا وقت الرخاء فهي أعظم في وقت الأزمة، لقد ارتدت قبائل يوم الردة وثبت أهل جواثا بكلمة قالها الجارود بن المعلي، وفي ترجمة إمام السنة والثابت يوم المحنة احمد بن حنبل:
(قال صالح بن أحمد : سمعت أبي يقول : صرنا إلى الرحبة، ورحلنا منها في جوف الليل فعرض علينا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل ؟ فقيل له هذا ، فقال للجمال على رسلك ثم قال ياهذا ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة ؟ ثم قال: أستودعك الله ، ومضى فسألت عليه فقيل لي هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الشعر في البادية ! يقال له جابر بن عامر ، يذكر بخير، قال أحمد بن حنبل : ماسمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة إعرابي كلمني في رحبة، قال:يا أحمد أن يقتلك الحق مت شهيدا، وإن عشت عشت حميدا فقوىَ قلبي ) سير إعلام النبلاء 11/ 241
تالله ! ما الدعوات تهزم بالأذى أبدا، وفي التاريخ برُ يميني
ضع في يدي القيد ، ألهب أضلعي بالسوط ، ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو رد إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
فهذه أزمة فتوى .... أزمة كلمة الحق جاء بها الإعرابي الضعيف ولم يحقر نفسه يثبت فيها علم الأمة ؛ ولم تكن هناك كلمة أقوى منها في قلب احمد، وذلك لان الأزمة لا تخلو من فتنة وظلمة وجفاف وتيه، وفي الإيمان نور وغيث وهداية، فعلى المسلمين جميعا أن يتواصوا ويتهادوا من أجل ترسيخ الإيمان في القلوب حيث إن الأزمة تصيب القلوب، تغمرها بالخوف والفوضى وتزاحم الإيمان، عن هند بنت الحارث الفارسية أن أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : أستيقظ رسول الله ليلة فزعا يقول (سبحان الله ! ماذا انزل الله من الخزائن ! وماذا انزل الله من الفتن ! من يوقظ صواحب الحجرات _ يريد أزواجه _ لكي يصلين ؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) (رواة البخاري) . قال ابن حجر رحمه الله في الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر ( فتح الباري ) كما قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾(البقرة:45) وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولذلك يجب أن نتواصى بالصلاة عند كل شئ، لأنها تثبت الإيمان في القلوب وتحمي من الفتن ولتكن الصلاة زاد في طريق الأزمة المظلمة قال عليه الصلاة والسلام: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) (رواه مسلم) قال تعالى﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾(البقرة: 197) وعن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( العبادة في الهرج كهجرة إليّ ) وعندما يلجأ الناس إلى الدين في الأزمات وهذا شيء طبيعي لأن في الأزمة تقبل القلوب إلى خالقها قال تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ (التوبة:118 ).
هل الدين إلا معقل نحتمي به إذا دلف العادي إلينا فأسرعا ؟
هو الدين إن ذهب فلا عز لنا وان جد ساعينا على إثرمن سعى
هنا تكمن مهمة العلماء في توضيح الدين ، لأن الأسئلة تكثر وتتفرع, والقيل والقال ، ويفجر الموقف الواحد ألف سؤال وسؤال .. وتلتفت الأمة إلى هامات العلماء ليسمعوا الكلمة ... والكلمة هنا غالية ، غالية لأنها تكلف الإنسان رأسه ، أو ظهره ، أو وظيفته ، غالية لأنها قد تخالف هوى من فوقه أو من تحته أو من معه ، أو حتى هوى نفسه ! وحينئذ لابد من قيام لله بتوضيح الدين خاصة إذا مست الأمة في عقيدتها وشوش التوحيد ، وهشمت الثوابت ، ونطق الرويبضة، حيث يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : (ستأتي على أمتي سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويأتمن فيها الخائن ويخوُن فيها الأمين وينطق الرويبضة قالوا ما الرويبضة يارسول الله قال الرجل التافه في أمور العامة ) (رواه ابن ماجه حديث صحيح).
لذلك كان على العلماء وجوبا أن يمتثلوا لقوله تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء:135).
واللي : هو الكذب أو التحريف ، والإعراض أو كتمان الحق ، ولقد هلكت العلماء في هذا ولايمكن لعالم أو طالب علم أن يرضى بالمهلكة. وإذا فتحنا كتب التاريخ لوجدنا صفحات مشرقة لعلماء المسلمين في توضيح الدين للأمة في الأزمات ، حتى أنهم دفعوا دمائهم وأرواحهم لمواقفهم المشرفة.
ثمن المجد دم جدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا
وافتح كتب التأريخ لتجد صفحات أول أزمة بعد حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الأزمة التي تشتبك فيها السياسة الخارجية بالسياسة الداخلية ، بمسائل التوحيد والفقه فيأتي علم الأمة أبو بكر الصديق فيقذف بكلمته ويوضح بها الدين في مسألة الردة .
وقد تمر الأزمة بالأمة فلا يبالي الرجل بما كان وما يكون، ومن هنا على العالم أن يستشعر الأزمة التي تمر بالأمة ويبينها للناس وأن لا تكون الأزمة مجرد شهر جديد من شهور السنة، لكن عليه أن يغير جدوله ويعد نفسه ويضع بصمته في صفحة الأزمة وربما دهمته وخنقته وقد فرط .
إذا المرء لم يحتل وقت جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
لقد كان الإمام مالك رحمه الله يترك التحديث في رمضان ليتفرغ إلى التعبد والذكر والصلاة لأنه عرض للأمة نازلة توجب الاشتغال بما هو أعظم من نوافل التحديث. وأعظم من ذلك أن ترى ذا العلم وذا الدعوة يرى الأزمة تركض إليه وإلى قومه في يدها الفتنة والضلال، ويقسم الشيطان بالله لأغوينكم أجمعين ولأقتلنكم ولأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، وهو لم يحرك ساكنا ولم يسكن متحركا، ليس لغفلة أو لجهالة أو لعجز فيعتذر، بل تعاميا وتماوتا وموت القلوب أشد من موت الأبدان .
إذن أول القواعد في استثمار الأزمة أن تستشعر الأزمة والباقي يأتي في الطريق لأن التفاعل المطلوب مع الأزمة وهو التفاعل الإيجابي الذي يدفعك ويحركك ويرفع وعيك، وليس هو القلق والرجفة والقنوط، ليس هو الهم الذي يحاصرك ويجمد أفكارك ويقتل حماسك وفكرتك.
وأما القاعدة الثانية في استثمار الأزمة هي استنهاض الهمم ! فالسيوف والقنابل قبل أن تقصف الرؤوس تقصف الهمم، الرعب طليعة الجيش وجيوش الهموم تسبق جيش الناس لتحارب العزائم تخوفها، تسحبها إلى الوراء تجذبها إلى الأرض ... وعلى الأمة أن تستنهض هممها واستنهاض الهمم، بالآي، والحديث، والخطبة، والقصة، والشعر، والموقف الشجاع.
وسجل العلماء على مدى القرون الماضية وعلى مستوى الفتن التي مرت بها الأمة كان لهم الأثر الطيب لإرشاد الناس وتحملوا كثيرا جراء مواقفهم من التعذيب والسجن والقتل .... الخ.
ونحن هنا لا نريد فتح التاريخ بل الذي يهمنا هو موقف العلماء في العراق منذ دخول الاحتلال الذي هدم كل مؤسسات الدولة بتاريخ 9/ 4 / 2003 الموافق 7 صفر وهو نفس التاريخ عندما دخل الاحتلال المغولي إلى بغداد وهدمت كل مؤسسات الدولة . بعدها أصبح العراق في فوضى من كل المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية حيث برزت الطائفية، والمنصف والمتتبع للوضع في العراق يجد أن علماء العراق كان لهم الدور المتميز والكبير، فقد وقفوا بوجه مشاريع الاحتلال وكذلك بوجه المشاريع الطائفية والعرقية يوم تخلى الناس عن كل شئ، حيث لم يكتف العلماء في تبيان ما اختلط على الناس بل تعدى الأمر إلى أن وقف العلماء عمليا في حماية مؤسسات الدولة من حراسة ليلا ونهارا وما سمحوا للمخربين من إتلافها أو سرقتها ذاك لان المخربين ماكانوا يمثلون الشعب العراقي الأصيل إنما كانوا ينفذون أجندات دول إقليمية لحرق وإنهاء مؤسسات الدولة الخدمية ليزيدوا من معانات الشعب العراقي، ووقفوا بوجه الفتنة الطائفية، وحرقت مساجدهم، وقتل موظفيها، لكنهم دعوا إلى الوحدة وعدم الاقتتال وحرمة الدماء بين أبناء الشعب العراقي رغم الذي أصابهم، فكانوا دعاة خير على عكس من دعا إلي الطائفية. تعرضوا للقتل فقد استشهد علي أيدي المليشيات الطائفية والاحتلال والتكفيريين أكثر من أربعمائة عالم وإمام وخطيب وأعداد كثيرة من الموظفين الدينيين والإداريين وتعرض قسم كبير منهم إلى محاولات الاغتيال منهم من جرح ومنهم من نجا فقد دفعوا دمائهم ويتمت أطفالهم ورملت نسائهم من اجل هذا الدين ووطنهم، لا لذنب سوى أنهم وقفوا بوجه من يستهدف ويستهتر بالدم العراقي ويعتقل وينتهك أعراضهم وأموالهم بكل طوائفهم ودياناتهم لم يفرقوا بين أحدِ من أبناء هذا الشعب المظلوم، وتصدى العلماء بوجه كل المؤامرات السياسية التي أرادت تمزيق وحدة العراق وان يكون ضعيفا على المستوى الاقتصادي والعسكري ليمكن لدول الجوار من الاستحواذ عليه، وحرم العلماء كل من يتلاعب بأموال الشعب العراقي ومقدراته الاقتصادية وبينوا للناس حقيقة الفساد الإداري والمالي الموجود في البلاد.
لذلك من الواجب علي الجميع الدفاع عن العلماء وعدم التجريح بهم لأن لحوم العلماء مسمومة وإن الله يدافع عنهم ، وكذلك يجب أن نكون معهم لأنهم اليد البيضاء وهم عنوان التسامح والمصالحة ولم الشمل وأن لا نسمح لأعدائنا من النيل منهم ومن وسائل الدفاع عن العلماء هي :
1- طاعة العلماء قال تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
2- الثقة بالعلماء لأنهم ورثة الأنبياء.
3- رد الذين يطعنون بالعلماء يقول علية الصلاة والسلام ( من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة ) (رواه الترمذي).
الكاتب