الدعاة وفساد المجتمعات!

كثُر مؤخراً نقد جهود الدعاة وأساليبهم؛ التي كانت في العقود القريبة الماضية،  بل قد نسب المنتقدون ما يحدثُ الآن من خلل في المجتمعات الإسلامية إليهم، وإلى طرائقهم، ومفردات خطابهم الدعوي؛ فأصبح الدعاة- عند بعضهم- شمّاعة يُعلّق عليها فساد من فسد من الناس .            وهو نقد مُجافٍ للحقيقة؛ لأسباب عديدة ، أبرزها: الأول : أن ما يراه ذلك المنتقد خطأً من الدعاة قد لا يكون خطأً أصلاً، إنما هو سوء فهم ممن سمع نصائح الدعاة ودروسهم آنذاك، فأساء تطبيقها على أرض الواقع بناء على ذلك. وقد سمعت أحد المنتقدين يَعيبُ على داعية كان يتحدث عن عقيدة البراء، ويذكر قصصاً عن براءة الصحابة من أقاربهم الكفار وشدتهم في ذلك؛ فقاد سوءُ فهمِ أحد من سمعه إلى هجر أبيه بسبب معصية كان يفعلها! وأمثلة ذلك كثيرة . . فهل يُلام الدعاة بسبب أفعال من أساء فهْم أقوالهم ؟! الثاني: أن المنتقد نسب مظاهر الفساد في المجتمعات الإسلامية الآن إلى ضعف جهود دعاة في عقود ماضية، ونسي ذلك المنتقد أن خطاب الدعاة وأساليبهم تلك كانت مناسبة لعصرهم وظروفه، فلما تغيّرت الأحوال طوّر الدعاة أساليبهم؛ لتتلاءم مع المتغيرات الجديدة كما هو ملاحظ الآن ،  كما أن الدعاة - بل والناس كلهم- لم يتوقعوا تلك الحملة الإفسادية  الشرسة؛ التي جرت في السنين الماضية، وإلا لكان غير ما كان منهم . وقد قال الله -تعالى- على لسان نبيه -ﷺ- ( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ). الثالث: لو صح نِسبة أي فساد يُصيب الناس إلى ضعف وسائل الدعاة وأساليبهم؛ لنُسبت ردة المرتدين بعد وفاة النبي -ﷺ- إلى أسلوبه وطريقته، ولنُسبت أول بدعة ظهرت في الإسلام- وهي بدعة الخوارج- إلى تقصير الصحابة في الدعوة، ونشر العلم، وضعف وسائلهم وأساليبهم، وهذا  لا يقول به عاقل فضلاً عن مسلم . الرابع: أن أي فساد يحدث في مجتمع، يحدث -في الأغلب- بسبب كثرة الملهيات والشهوات المحرمة، وتقريبها للناس، وتشجيعهم على غشيانها ، وكذلك بسبب حصر مناشط الدعاة والموضوعات المسموح لهم بالحديث فيها ،ناهيك عن إيقاف بعضهم. الخامس: أن فساد أي مجتمع يكون - أحياناً - بسبب  قابليته للفساد، واستعداده لتشرُّبه، وقد قال الله -تعالى- عن بني إسرائيل: ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ ). السادس:  مهما زاد حجم الفساد في المجتمعات الإسلامية فإنه لا تزال طوائف من الناس متمسكين بأهداب الشرع وأصوله، ولو أن الله -تعالى- لم يسدد ويوفق الدعاة فيما مضى، لرأينا حال الناس أسوأ بكثير مما هم عليه الآن. وختاماً، فإن الدفاع عن الدعاة لا يعني-قطعاً- القول بعصمتهم؛ فهم بشر يصيبون ويخطئون كالساسة والاقتصاديين والأطباء والمهندسين وغيرهم، إلا أن أخطاءهم تغوص في بحر حسناتهم. كما أن  واقع الحال المرير ينبغي ألا يضغط علينا؛ فيُفقدنا الرؤية الصحيحة للوقائع والأحداث، ويسلبنا القدرة على التحليل العلمي والمنهجي لما يحدث.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.