لم تكن تفجيرات عمان قبل سنوات بداية تاريخ سياسي للفكر المتطرف من حيث محاولة التأثير أو الانتقام او الاستخدام والاستغلال من قوى ودول , بل كانت محطة محلية اردنية امتداد لحدث اقليمي ودولي .
الفكر المتشدد او التكفيري ليس وليد سجون جمال عبد الناصر في نهاية الستينات , لكنه كان جزءاً من مدارس التفكير في عهد الخلفاء الراشدين حينما ظهرت فرق تقتل المسلمين وتكفرهم وتجد في النصوص الشرعية عفواً عن غير المسلمين , وهو فكر تحدث عنه الرسول عليه السلام بأن الصحابة اصحاب عبادة كثيرة لكن المشكلة في العقل والتفكير وفهم النصوص الشرعية .
لكن اصحاب هذا الفكر مهما بالغوا في تشددهم فإنهم أصحاب تجربة ضحلة في علم السياسة وعمق الدول في إدارة الازمات واستثمار الأعداء قبل الخصوم , ولهذا اندفعوا نحو معارك معتقدين انها الطريق الى الجنة أو لنصرة الدين لكنها في الحقيقة استثمارات سياسية ومكاسب لدول وتحالفات ومراحل .
وكان هذا الفكر في معظم مراحل نشاطه أما رد فعل على تعامل العمل الاسلامي مع قضايا ومراحل , او رد فعل على تعامل انظمة سياسية مع العمل الاسلامي ,ورغم , ورغم أن ظهور الفكر التكفيري الحديث كان في مصر قبل اربعين عاماً الا انه لم يستطع ان يشكل حالة مؤثرة بسبب التعامل الحازم معه لهذا كانت الهجرات الفردية , لكن ظهور القضية الأفغانية والاحتلال السوفييتي اعطى قوة دفع كبيرة لان هذا الفكر من خلال البيئة العسكرية وتوفر السلاح والعدو والدعم السياسي الذي جعل من قضية افغانستان قضية شعبية في كثير من الدول العربية , وكانت امريكا واصدقائهم هم قادة التسهيلات بتزويد جبهة افغانستان بالشباب العربي والمال والسلاح واضفاء القداسة على الحرب هناك في مرحلة شهدت فيها منطقتنا حرب 1982 حيث احتلال لبنان من العدو الصهيوني وكانت حرب العراق وايران وحتى ظهور الانتفاضة الفلسطينية .
عمان ذاقت طعم التطرف والتكفير وروح الانتقام من دولة تبنت موقفاً صادقاً وحازما من الارهاب وتحديدااحداث نييورك والعراق , لكنها تفجيرات لم تغير الموقف , بل صنعت امتداد للموقف الرسمي في وعي الاردنيين , واوجدت تفريقا واضح المعالم بين الجهاد في سبيل الأمة وقضاياها وبين فكر لا يتقن الا صناعة الموت , لان صناعة الموت والارهاب تحتاجها الدول الكبرى لتسويق مواقف وافكار وسياسات ومصالح لها , حتى من كان يصنع الموت مدركا كيف يخدم هذه الدول او يفعل هذا بجهل .
رغم ان الدول لها الضحايا ومن يدفعون زمن يدفعون ثمن افعالها الا ان الدول الكبرى تحتاج احيانا لتكون في موقف الضحية لتمرير سياسات قادمة لها , والتطرف الاعمى من السهل تحويله ال اداة لتحقيق هذا .
اليوم تتسع دائرة العنف والتطرف السياسي حتى من قوى كانت تقدم نفسها رمزا للوسطية , والتطرف الاهم هو تطرف العقل الذي يبرر اللجوء للغة النار ويرى في هدر الدماء والارواح حقا له واستحقاق طبيعي لظلم يعتقد انه تعرض له , ولعل سنوات الربيع العربي اعطت مساحات سياسية وجغرافية جديدة للتطرف والتكفير , بل ان دولا قدمت نفسها نموذجا للاسلام المعتدل تحولت الى بوابة للتشدد لانه لها مصلحة في تعزيز قوى التطرف لغايات سياسية .
والمفارقة ان كيان الاحتلال هو الطرف الوحيد الذي لو يذق اثار وجود قوى التطرف , ولم يدفع ثمنا لكا سياساته من سيارات القنابل واحزمة الموت التي زرعتها قوى التطرف في عواصم العرب والمسلمين .
الكاتب