لم يستطع الشاب مهند (23 عاما) اتخاذ قرار مهم في حياته عندما حصل على معدل عال في الثانوية العامة، بل خضع لرغبة والديه بدراسة الهندسة رغم ميوله لدراسة الطيران، مؤكدا أنه خضع لنصح الأهل لكنه يرى نفسه طيارا وليس مهندسا.
يقول مهند “لا أعتقد أنني قمت يوما باختيار شيء ما أفضله، سواء الملابس أو ممارسة هواية مفضلة لدي في أحد النوادي الصيفية التي التحقت بها، حتى أصدقائي لم أقم بانتقائهم بنفسي، بل أراهم يتوددون ويتقربون مني بناء على تعليمات الوالد أو الوالدة، والأدهى أن والدتي رافقتني لحرم الجامعة في الأسبوع الأول من الدوام لمتابعة شؤوني التعليمية”.
ويضيف “أرى شخصيتي مهزوزة، ولا أتمكن من تحديد ما أحب وما أكره، وأتوقع أن هذا سينعكس على حياتي في المستقبل، صراحة لا أعلم كيف يمكنني تجاوز هذه المشكلة، فأنا أشعر بتوتر وقلق دائمين جراء شعوري بعدم الرضا عن النفس”.
ينبغي أن يكون الشخص اجتماعيا ويعي كيفية التعامل مع الآخرين، فهو يمتلك قدرات تؤهله ليكون واحدا من المجتمع وفاعلا فيه، ومن هذه القدرات أو الصفات المهمة في تكوين شخصيته هي (الثقة بالنفس)، غير أن هناك العديد من الأشخاص الذين يفتقدونها، مما يؤثر على شخصياتهم وتواصلهم مع الآخرين.
وتصف الثلاثينية أروى زوجها بأنه من الأشخاص الذين لا يملكون الثقة بأنفسهم، تقول “أنا متزوجة منذ ثلاث سنوات، زوجي طيب وحنون لكنه خجول جدا، وحتى أن أخاه الأصغر منه يفرض عليه رأيه ويستمتع لكلامه بكل أريحية وينفذه، متناسيا بأن قرارات الحياة الأسرية يجب اتخاذها من قبل الزوجين”.
وتضيف “أشعر أحيانا أن زوجي كالطفل، ليس له قرار بأي شيء، فعندما أشاروه في أمر ما، لا يجيب سوى افعلي ما شئت، أو كما تريدين، رغم أنه متعلم وحاصل على شهادة الماجستير في تخصص المحاسبة”.
تبين أروى أن والدة زوجها أخبرتها بأنه “بيتوتي” منذ الصغر، فلم يكن يفضل الخروج مع إخوانه وأصدقائه للعب أو الترفيه، بل كان يفضل الجلوس أمام التلفاز أو اللعب بألعابه الخاصة”.
يؤكد الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد، أن الشخص “عديم الثقة بنفسه” يكون أكثر عرضة للانعزال والابتعاد عن الآخرين، وعليه نجده قليل الكلام والاختلاط بالناس.
ويبين أبو زناد أن انعدام الثقة بالنفس له أسباب وعوامل منها، التنشئة منذ الطفولة، فأحيانا لا يعلم الأهل عواقب العنف أو القمع، كما أن المفاضلة بين الأبناء تنمي في الشخص الشعور بأنه لا قيمة له.
ويضيف “كما أن انعدام الثقة ينعكس سلبا على صورة الشخص أمام الآخرين، وبالتالي فالمحيطون به دائما يرونه بالصورة التي يرى بها نفسه، فكلما كبرت ثقة الشخص في نفسه كبرت قيمته لدى الآخرين والعكس صحيح”.
وتعترف الأربعينية أم رائد بأنه شخصية عديمة الثقة بنفسها، وترجع السبب في ذلك من خوف والدها الشديد عليها وأشقائها، وتوضح “نشأت في بيت كبير، لكنه يفتقد الحياة، فمنذ الصغر تربينا بأن لا نختلط بالآخرين خضوعا لرغبة والدي، فلم نعرف جيرانا أو أصدقاء كغيرنا من البشر”.
وتضيف “يعشق والدي الهدوء والسكينة، إلى جانب الانضباط والالتزام، ويخاف علينا من نسمات الهواء، سواء في المدرسة، الشارع، الجامعة، السوق، أماكن الترفيه وغيرها، فلم تتعدّ دائرة معارفنا عشرات الأشخاص، حتى أن قرار زواجي تم بناء على رغبة الوالد ورؤيته بأنه الأنسب والأفضل”.
وتصف أم رائد نفسها بأنها شخصية ضعيفة لا تحسن اتخاذ أي قرار في الحياة، حتى أنها لا تستطيع ردع أبنائها عن شيء ما أو توبيخهم على فعل ما بدون الاستعانة بوالدهم للقيام بذلك عوضا عنها.
وتوضح التربوية الدكتورة أمل بورشك أسباب عدم ثقة الشخص بنفسه، قائلة “التربية في المنزل أساسها عدم الثقة في الشخص، وتعود إلى خبرات تعرض لها الفرد في صغره وأسهم جميع أفراد العائلة في تدمير نفسيته”.
وتؤكد بورشك أن التربية والتنشئة غير السليمة تسهمان في تدمير الثقة بالنفس إذا لم يحسن استخدامها، وتضيف “ينعكس شعور عدم الثقة على جوانب الحياة كافة للفرد غير الواثق في نفسه مثل تقلب مزاجه واتخاذ قرارات والعدول عنها، والتأثر برأي الآخرين وعدم قدرته على مواجهة الحياة وتحدياتها، وقضاء فترة زمنية طويلة في التفكير من أجل أمور لا تستحق، اضافة الى الانعزالية وكثرة نقد الآخرين، والتذمر المستمر وربط كل ما حدث معه بالماضي”.
وعن دور الهيئات التدريسية في تعزيز ثقة الشخص بذاته، تقول “التواصل البناء مع الشخص غير الواثق بنفسه يكون تكليفه بمهام ترفع من ثقته وإشراكه في العمل الجماعي وتعزيزه والحرص على تكليفه بمهام يستطيع أن ينجزها ومكافأته عليها، وعدم التطرق لموضوع أنه غير واثق بنفسه، الى جانب الصبر والمحادثة والقراءة والنشاطات اللامنهجية التي تسهم في رفع ثقته بنفسه والمشاركة في الحفلات الاجتماعية والحرص على الرياضة لأنها تنمي الجسد والعقل معا”.
الكاتب