البعد التربوي لشهر رمضان

لشهر رمضان ميزة خاصة، لذلك طالما استنبط الفقهاء والأطباء والعلماء بمختلف التخصصات المقاصد العظمى من صيام شهر رمضان، وما زالوا حتى أصبح يؤخذ الصيام عند بعض الدول غير المسلمة وسيلة للعلاج. إذن شهر رمضان مليء بالخير والأسرار لذلك لابد من استقباله بطقوس خاصة. مستفيدين من بركته وعطاءاته لأنه أيام معدودات. إنه زمن ليس كالأزمنة العادية، لذلك من المفروض أن يكون الاستعداد له غير عاد والاجتهاد فيه غير الاجتهاد في زمن غيره. لأن الثواب فيه يضاعف مضاعفة كبيرة نظرا لخصوصيته. زمن خاص وعمل منسجم مع طبيعة الزمن، وثواب مقدر بناء على مقياس الثواب في هذا الفضاء الذي يستوعبنا بالفطرة أولا وبالعبادة المتميزة ثانيا. ومهما عمر الإنسان الأرض انطلاقا من مبدأ الاستخلاف، وهو واجب نقلا وعقلا، فإن هناك دارا للجزاء تتسم بالخلود، وفيها توزع شواهد الجزاء على قدر عمارة الأرض بالعمل المتصف بالإخلاص والصواب. رمضان زمن المصالحة مع الذات وتطهيرها من الدنس الذي لحق بها خلال السنة والتي عمرت أحد عشر شهرا. زمن يرسم فيه العبد المومن خريطة طريق جديدة تخضع لصفقة متميزة بدفتر تحملات واعد وحالم على أن تكون كل الأيام كرمضان على مستوى الذاكرة والفعل. وعندما يتمثل المومن زمن الصوم كما أراده الله عز وجل يكون مطمئنا وفرحا ومستبشرا خيرا لأنه تمهيد للقاء الله وهو عنه راض. وبذلك يحصل التناغم بين لذة الدنيا المسيجة بطاعة الله، ولذة الآخرة التي هي نتيجة طبيعية للحقيقة الأولى. وفي ظل هذه الرحلة الميمونة، يكون الناس مراتب ومقامات كل حسب درجة احترامه لدفتر التحملات التعبدي في إطار حكامة جيدة على مستوى القول والعمل. رمضان زمن الإعداد والتطبيق والمتابعة وحسن التنزيل والتقويم. حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وكون العادة محكمة فإن التدين خاصة في الزمان الرمضاني يرشدها ويعقلنها حتى تكون على بصيرة. وكلما ارتقى الإنسان ارتقت البشرية في سلم الترقي غير المادي الذي له انعكاس على الحضور المدني. لأن التفاعل بينهما هو الذي يجنب البلاد والعباد الفتن ما ظهر منها وما بطن. وحتى لانخطئ الطريق حدد المولى عز وجل معالم هذا الشهر الكريم: إنه زمن القراءة لأنها الخطاب السماوي لعباده"اقرأ"   وخاصة لكتابه الكريم الذي لاتنقضي عجائبه ولايمله العلماء والأتقياء. ولا يشبع من قراءته الصالحون. وما أعظم القراءة أثناء الصوم. إنها لذتان: لذة النص ولذة الإمساك الطوعي غير الخاضع للقهر أو القسر. إنه التدبير الحر للحظة زمنية استثنائية في السنة. مقصدها الجامع هو تقوى الله التي تتجاذبها ثنائية ضدية التحلية والتخلية أي التحلي بالمكارم والتخلي عن الرذائل والقراءة حصانة للتدافع والمجاهدة والمصابرة. ومن أجل قبول الأعمال يشترط الإخلاص والصوم جبليا يحمل هذه الصفة في ذاته. وان يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في هذا الخير خاصة إذا استحضر الإنسان زمن ليلة القدر التي تشكل لحظة زمنية استثنائية الكل يتعبأ لها من أجل الفوز برضا الله وجنته ونعيمه ورؤيته. ما أعظمها من لحظات مشرقة.. وبهذه المعالم النورانية يبني الصوم الأسس الثلاثة للسعادة: الشكر والصبر والتوبة. ويشكل هذا الثلاثي سيمفونية متكاملة فشكر القلب والجوارح والسلوك. وهذا مرتبط بالصبر على على الطاعات والصبر على المعاصي. وإذا تعذر الأمر أحيانا نظرا لانفلات زمن الأوبة تحل التوبة بمكوناتها الإقلاع والندم والمصالحة مع الآخر. إن زمن الصيام يغتال الأنانية ليفتح عوالم غريبة من التضحية والعطاء إنها كرامات ربانية تشمل السلوك البشري انطلاقا من مبادئ التضامن والتآزر والتعاون والإخاء..إنه تكريس لفلسفة الخير والمعروف ضد الشر والمنكر. وهذا مسار دعوي ينطلق من قاعدة الإيمان والتقوى والأخوة. إذن يا أيها الإنسان أقبل على الخير واستثمر زمن الصوم تمهيدا لحياة دائمة وخالدة. هل أنت مستعد لخوض معركة مع الذات لخدمة الآخر؟ هل أنت قادر للمصالحة مع القراءة خاصة لكتاب الله العزيز؟ هل أنت مستعد لنشر ثقافة اليسر والبشارة ومواجهة العسر والنفور؟ هل أنت مستعد للمحافظة على دفتر التحملات الذي التزمت به من أجل حكامة جيدة على مستوى الكسب والفعل؟ نتمنى أن نكون جميعا في مستوى زمان شهر رمضان الذي يتيح لنا فرصة المصالحة مع الله عز وجل والذات والآخر. وفتح مجالات التآزر والتعاون والتضامن. والسعي لبناء قيم التسامح والسلم والاستقرار، ثم الاجتهاد في عمارة الأرض بما ينفع الناس... والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.