الاستقامة في الإسلام

  الاستقامة في اللغة مصدرُ فعلِ (استقام), ومعناه انتصب واعتدل. “ والاستقامة, يقال في الطريق الذي على خط مستو “ «1» ؛ فالاستقامة ضد الاعوجاج والالتواء. ويقال استقام له الأمر, إذا انتظم وسار على نحو معتدل مستقر. ويوصف الشيء بأنه قائم ومُقام. ويقال: هذا أقوم, أي أكثر استقامة. وفي تفسير قوله تعالى «لكانَ خيراً لهم وأقومَ» : قال الطبري “ (وأقومَ) يقول: وأَعدلَ وأصوبَ في القول. وهو من”الاستقامة”, من قول الله: «وَأَقْوَمُ قِيلا» «المزمل» «6» “ «2» وأما المعنى الشرعي للاستقامة, فمطابق لمعناها اللغوي, غير أنه مستعمل بكثرة في الصفات المعنوية والخُلقية. وأول استقامة في الشرع, هي استقامة الدين ومنهجه وطريقه. وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الفاتحة: «اهدنا الصراط المستقيم» «الفاتحة-?6» . قال الطبري : “ أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن (الصراط المستقيم), هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه «3» “. والإنسان يكون مستقيما بقدر ما تتطابق صفاته وتصرفاته مع المنهج المستقيم والصراط المستقيم. قال الراغب : “واستقامة الإنسان لزومه المنهج المستقيم “ «4» الاستقامة في القرآن والسنة: وردت في القرآن الكريم آيات وأحاديث كثيرة في شأن الاستقامة, بألفاظ مشتقة منها, فضلا عن المفيدة لمعناها, نذكر منها: أولا: من القرآن الكريم 1 -«وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» «الأنعام –153» 2 -«إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» «الأحقاف– 13»   3 -«إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ» «فصلت 30 31» . 4 -«فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ» «هود –112» . ثانيا: من السنة النبوية - عن سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ. قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فاستقم «5» . وفي رواية الإمام أحمد : قل آمنت بالله ثم استقم «6» - عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : استقيموا ولن تحصوا , واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة, ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. «7» - عن حذيفة رضي الله عنه قال: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا أو شمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا «8» مقاصد وفوائد: الاستقامة التي جاء بها الشرع وحث عليها عامة وشاملة, في مجالاتها ومقاصدها, وفي ثمراتها وفوائدها. فهي منهج عام وسلوك مطرد, يجب الاتصاف به والسير عليه, ظاهرا وباطنا. وهذا واضح في الآيات والأحاديث السابقة, كما تشير إليه وتؤكده عدة آثار وأقوال أخرى في الموضوع, نذكر منها: 1 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه , ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه, ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه. «9» والحديث يفيد أن الاستقامة تكون في الإيمان وسلامته, وتكون في القلب وأحواله, وتكون في اللسان وما ينطق به, مثلما تكون في سائر الأفعال والتصرفات. فهي استقامة ظاهرية وباطنية. كما يستفاد من الحديث أن الاستقامة لا تتجزأ, بل هي كلٌّ متكامل يتعزز بعضه ببعض, أو يضيع بعضه بضياع بعض. 2 وفي قوله تعالى «وأَوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُم وزِنوا بالقسطاس المستقيم» «الإسراء 35» قال الطبري في تفسير القسطاس المستقيم: “وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه ولا دغل ولا خديعة” «10». فتوفية الناس حقوقهم كاملة غير منقوصة, والتعامل معهم وفق موازين مستقيمة مطَّردة, بدون تمييز ولا حيف ولا محاباة, كل هذا يدخل في الاستقامة وفي مقتضياتها. 3 وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي , ولا تروغ روغان الثعالب” «11». والاستقامة على الأمر والنهي, تعني الالتزام الصادق بأحكام الشرع, من غير تحريف ولا تحايل ولا تلبيس ولا تهرب. فالتهرب من أداء الزكاة, والتملص من أداء حقوق الناس, والغش في أداء المسؤوليات والواجبات, والتظاهر بصفات وأعمال زائفة لخداع الناس, كل هذا وأمثاله, يتنافى مع خُلُق الاستقامة, ينفيها إن وُجد, وتنفيه إن وُجدت. وكله من “رَوَغان الثعالب”, على حد قول عمر رضي الله عنه. وهذه الاستقامة التي تبدأ بعناصر, وبأفراد هذا الفرد من قلب وإيمان وفكر وعاطفة وجوارح هي التي تشكل صفة الاستقامة العامة في المجتمع وفي الأمة, وهي التي تصبح ضامنة للأمن والعدل والاطمئنان بين الناس, وتصبح رافدة ورافعة لكل تنمية ولكل تقدم وتحضر. «وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا» «سورة الجن 16» وهذا لا يتوقف على تحقق الاستقامة العامة التامة, في كل الأفراد وكل الأحوال, وإنما يكفي أن تكون الاستقامة سمة غالبة ومهيمنة على السلوك الفردي والجماعي, في مختلف مجالات الحياة الخاصة والعامة.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.