الإمام الشافعي هو أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبدالمطلب بن عبد مناف. فهو قرشي، ويلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده عبد مناف. ولقب بالشافعي نسبة لجده شافع. ولد في غزة سنة 150هـ، ونشأ يتيماً فعادت به أمه لمكة وهو ابن سنتين، فنشأ فيها وتعلم القرآن والحديث. ثم رحل لبني هذيل، وكانوا أفصح العرب، وأقام عندهم 17 سنة فأتقن اللغة العربية حتى أصبح إماما فيها. ثم رحل للمدينة المنورة وتعلم على يد الإمام مالك بن أنس هناك. ثم رحل لبغداد نحو سنتين ثم عاد لمكة وفيها قابله الإمام أحمد بن حنبل الذي جاء للحج. ثم عاد الشافعي لبغداد شهراً ثم رحل لمصر وبقي فيها حتى توفي سنة 204هـ.
وقد برع في العلوم الشرعية، فأسس علم أصول الفقه. وكان إماماً في التفسير واللغة حتى أصبح ثالث الأئمة الأربعة المتبوعين في الفقه عند المسلمين. وما تزال كتبه (الرسالة، والأم، وجماع العلم) لا يستغني عنها العلماء فضلا عن طلبة العلم.
وقد عرف العلماء للشافعي مكانته ومنزلته، فهذا الأصمعي إمام اللغة العربية يقول: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس. أما الإمام أحمد بن حنبل، وهو تلميذ الشافعي، فقد اختصر لنا دور الشافعي العلمي فقال: "ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها، فكان عمر بن عبدالعزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى".
وقد تميز الشافعي بمنهجية استقرائية للوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، والاعتماد على اللغة العربية والقواعد الأصولية في فهم الدين والاجتهاد في المستجدات والنوازل. وبذلك يكون قد جمع بين فضائل مدرستي الرأي والحديث في مذهبه.
وبسبب هذه القدرة العلمية الفذة والإبداع المعرفي، انتشر مذهب الشافعي في بلاد كثيرة جداً. فهو من أوسع المذاهب الفقهية انتشاراً في العالم الإسلامي، والمعتمد في الفتوى والقضاء في كثير من الدول الإسلامية. وشهد العالم كله قيام الحضارة الإسلامية وإبداعها وتميزها بناء على أسس فهم الدين والشريعة التي استنبطها الشافعي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم. وتعاقب العلماء على تطوير قواعد الشافعي والبناء عليها.
هذا الدور المتميز للشافعي وعبقرية منهجه العلمي، محل اتفاق وإجماع حتى من الباحثين غير الشرعيين، فهذا محمد عابد الجابري يقول عن الشافعي: "فإن الشيء الذي لا يقبل المناقشة هو أن الشافعي كان بالفعل المشرع الأكبر للعقل العربي". ويقصد بالعربي هنا العقل الإسلامي.
لكن برغم كل هذا التميز والإبداع والفضل للشافعي، فإن هناك حالة من الكره الشديد والبغض له، وكيْل التهم الباطلة والظالمة بحقه، تنتشر في كتابات عدد من منظري الحداثة والتنوير المعاصرين من دون مستند أو دليل علمي. فمحمد أركون يتهم الشافعي بأنه "ساهم في سجن العقل الإسلامي داخل أسوار منهجية معينة"، بالرغم من أن الشافعي تبنى وشجع الاجتهاد والقياس! أما محمد شحرور فيتهم آراء الشافعي بأنها سبب "بذور ذهنية التحريم في العقل العربي الإسلامي". وهي تهمة كانت ترمى على غير الشافعي بحجة أنهم بدو أو من الصحراء، بينما الشافعي دوّن مذهبه القديم في بغداد، والمذهب الجديد دوّنه في القاهرة وهما من حواضر الإسلام الكبرى والمتنورة!
أما جورج طرابيشي، فقد شبه الشافعي ببولس الذي حوّر المسيحية، فيقول: "أعاد تأسيس الإسلام القرآني في إسلام صحابي أو حتى تابعي في انقلاب يشبه –أكثر ما يشبه- الانقلاب الذي نفذه بولس الرسول المؤسس الثاني للمسيحية، بتحويله إياها من مسيحية إنجيلية إلى مسيحية حوارية". وهذه تهمة باطلة لا دليل عليها.
ويلخص حسن حنفي موقف نصر حامد أبو زيد من الشافعي فيجد أنه قدم الشافعي على أنه "باستمرار مجرح ومخون... فهو أموي، سلطوي، قرشي، عروبي، مناهض للعقل والاجتهاد، باحث عن عمل، وربما مرتزق يريد أن يقبض ثمن تأييده للأمويين". وهذا كلام يكفي سرده لرده! أما زكريا أوزون، فقد بالغ في الهجوم والعداء للشافعي حتى أنه نفى معرفة الشافعي باللغة العربية! فقال: "إن أسلوب الشافعي متداخل ومضطرب وممل". رغم أن الشافعي كان فحل العربية.
وهناك نصوص كثيرة لشخصيات أخرى حداثية تحمل مثل هذا العداء والحقد على الشافعي، فلماذا يا ترى يكرهونه ويحقدون عليه؟
هناك حداثيون وعلمانيون يتهمون خصومهم الإسلاميين المعاصرين بأنهم ظلاميون ورجعيون، وأنهم متعصبون ومتشددون، وأصحاب فقه بدوي وصحراوي، ويقولون عن أنفسهم بأنهم لا يعادون الإسلام وإنما يعادون الداعشية والتطرف، وبالمقابل يدعون للوسطية والتسامح الإسلامي الذي يتمثل في المذاهب الأربعة ومنهج الأزهر وهو التابع للمذهب الشافعي. فكيف تستقيم لهم هذه الدعوة لالتزام المذاهب الفقهية ومنها المذهب الشافعي، ثم نجد هذا الهجوم الشرس على شخص الإمام الشافعي ومنهجه وفكره؟!
الإجابة سنجدها في كلام هؤلاء العلمانيين والحداثيين حين يحددون لنا ما يكرهونه في فكر الشافعي، والذي يتمثل في ثلاثة أسباب بحسب د. أحمد قوشتي عبدالرحيم في كتابه "موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي: عرض ونقد". فالسبب الأول هو تأسيس الشافعي لمنهج علمي له قوانينه في فهم النص الديني، من خلال استقراء وتحليل منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، لقرب عهد الشافعي من عهد الصحابة والتابعين. والمنهج الذي رسخه الشافعي هو اليوم العقبة الكبرى أمام زحف مناهج حداثية لقراءة النصوص الإسلامية بما يخرجها عن حقيقتها وطبيعتها. لذلك يعترف عبدالمجيد الشرفي أن رواج القراءة الحداثية للإسلام لا تتم إلا بـ"اعادة النظر في المنظومة الأصولية الموروثة عن الشافعي".
أما السبب الثاني، فهو تأصيل الشافعي وتأكيده على مبدأ عمومية نصوص القرآن والسنة، والتي رسخها النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ورسخها الصحابة في التابعين، فجاء الشافعي ودوّن ذلك ودلل عليه بمثل قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء، الآية 107)، وقوله تعالى: "... وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ..." (الأنعام، الآية 19). ولأن الوحي الرباني المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية هو الرسالة الخاتمة للبشرية، فقد كان لازماً أن يكون عاماً للبشرية كلها وللزمان القادم كله حتى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. وهذا المبدأ هو ما يحاول حداثيون هدمه بدعوى تاريخية القرآن والسنة، وأنه ما جاء إلا لمرحلة زمنية محددة ولأهل الجزيرة العربية، وذلك حتى يتمكنوا من ترويج فلسفات عصرية، برغم تعارض هذه الفلسفات وتنازعها وفشل كثير منها في الواقع، وتسببها بالعديد من الكوارث الرهيبة، كجرائم النازية في أوروبا، وإبادة الملايين في الصين باسم الثورة الثقافية، وقتل مئات الملايين في روسيا من أجل ترسيخ الشيوعية وفلسفتها الماركسية. كما أنه في العصر الحاضر تفككت الأسرة وانتشرت أمراض الكآبة والوحدة بسبب فلسفات الفردية والمادية والحداثة وما بعد الحداثة.
أما السبب الثالث، فهو تركيز أقطاب للحداثة والعلمانية على هدم وتقويض مؤسسي العلوم الشرعية لهدم كل المنظومة العلمية الشرعية التي تمنع مشروعهم من التقدم في المجتمع الإسلامي، إلا بالتحالف مع السلطوية المستبدة أو القوى الدولية الخارجية الإمبريالية!
ويرصد د. قوشتي في كتابه القضايا التي هاجم فيها رموز الحداثة الشافعي وفكره، وتتمثل في:
- تأكيد الشافعي على عربية القرآن الكريم ولزوم ذلك في فهمه والتعامل معه.
- تقرير الشافعي حجية السنة النبوية وأنها جزء من الوحي الإلهي الواجب اتباعه اتباعا للآيات والأحاديث وفهم وعمل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
- اعتماد الشافعي لحجية الإجماع اتباعاً لقوله تعالى: "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (النساء، الآية 115)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة" (رواه الترمذي وصححه الألباني).
- موقف الشافعي من تفعيل النظر العقلي في الاجتهاد والقياس. لكن الشافعي متهم من حداثيين بأنه "أراد الحطّ من قيمة الاجتهادات الشخصية من رأي واستحسان" كما يقول محمد سعيد العشماوي! وكل هذا بسبب أن الشافعي يربط بين النظر العقلي والاجتهاد والنص الشرعي، وهو ما يريد حداثيون التحرر منه والانطلاق بلا قيود حتى لو عارض "اجتهادهم" القرآن الكريم والسنة النبوية في أصول الدين!
في الختام؛ إن هذا الكره والعداء للشافعي يكشفان زيف دعوى علمانيين بأن صراعهم هو مع الإسلام السياسي أو السلفية، أو ظلامية التطرف و"داعش"، فيما الحقيقة أن صراعهم هو مع الإسلام نفسه، والذي أجمعت الأمة عليه وشادت حضارتها وهويتها عليه منذ البعثة النبوية المباركة.
الكاتب