ففي الشريعة الاسلامية السمحة اتفق على حرمة استخدام العنف وادواته وسيلة للتفاهم بين المسلمين وغيرهم من الامم الاخرى. ناهيك من باب أولى ألا يستخدم العنف بين المسلمين أنفسهم. يروى أن رجلاً من الاعراب دخل مسجد رسول الله، فبال أمام الجميع، فأراد بعض أصحاب رسول الله ضربه ونهره بكلام غليظ، لكن رسول الله أمرهم بتركه حتى ينهي حاجته، فلما قضاها، قال له عليه السلام: يا هذا إن الذي فعلت لا يصلح بهذا المكان، فخرج الاعرابي يقول: جئتكم من عند خير الناس وأحسنهم، ولو ان النبي عليه السلام سمح لأصحابه ان يضربوه لقال رجعت لكم من عند شر الناس ولما أسلم.
فالاسلام بقواعده الكلية ومقاصده العامة، ينبذ العنف وأدواته من الرعب والخوف وسيلة للتفاهم، بل تجد ان الاسلام راعى جانب اللين والعطف والرحمة حتى أثناء النزاعات المسلحة. فالحروب، كما هو معلوم للجميع، غاية الطرف الأقوى فيها انهاء الحرب بأسرع وقت وأقل كلفة، وبنفس الوقت إلحاق أكبر الخسائر البشرية والمادية بالطرف الضعيف، بينما ترى قواعد الاسلام ومقاصدة العامة الكلية تجعل من الجندي المسلم رسول سلام ومحبا لإنسانية الانسان لا لدينه أو لونه أو عرقة أو طائفتة.. بل لأنه أنسان مكرم من خالق البشرية، ولهذا منع الجندي المسلم اثناء النزاعات المسلحة من قصد اي هدف مدني. فتجد أنّ الاسلام منع قتل غير المقاتلين من النساء والصبيان والشيوخ الكبار ورجال الدين من غير المسلمين وكل من ينطبق عليه وصف المدني، وكذا منعت القواعد القتالية في الاسلام ضرب المرافق العامة لأي بلد مستهدف من كهرباء وماء، كي لا يلحق العنت والمشقة بالمدنيين، وهذا ما تؤكده وصايا القائد رسول الله لقواد جنده حين كان يرسلهم للدفاع عن ارض الاسلام بقوله: "لا تغلوا ولا تسرقوا ولا تغدورا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا أمراة ولا شيخاً فانياً ولا عسيفاً".
لقد وصل الفرس والروم -أيام رسول الله- الغاية من تشريع الجهاد ومطلب هذا الدين. فظهر للجميع آنذاك ان الانتقام وحب السيادة والطمع بثروات الآخرين ليس مقصداً من سن وتشريع الجهاد، فلن تجد عبر التاريخ وكتبه نصاً واحداً يصم الاسلام بأنه دين متعطش لسفك الدماء أو تقطيع الاشلاء، أو انه يخرّج افواجاً من حملة أيدولوجيا رفض الآخر- ما دام لا يحمل نفس الرؤى– فالاسلام كتب على نفسه (ومذ إقراره ديناً عالمياً) ان لا مكان للارهاب والتطرف والتزمت والتعنت والتنطع بين من ينتسبون له؛ لذا يجب أن ينقل جوهر الاسلام وسماحته للغرب، لكي يتم طرح كل من يحمل فكراً مخالفاً لجوهر هذا الدين السمح الداعي بتعاليمه للسلام بين الشعوب بغض النظر عن اختلاف الدين. فالله تعالى كلف موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام أجمعين وانزل عليهم الكتب، وهو تعالى لا غيره من يتولى حساب أتباعهم.
الارهاب ولد ميتا، بلا أب ولا ام يبكيان، لكنه مع ذلك حافظ على نسله من الزوال والعدم، فحيثما وجدت بؤر التوتر في هذا العالم، وجد الارهاب بأبهى صوره وأبشع أشكاله وأعنف أساليبه، وأمثلة ذلك ليس من العسير طرحها، ففلسطين والعراق والصومال، تعتبر اليوم من حواضن الفكر المنحرف الذي ينادي بالقتل لمجرد القتل بعيداً كل البعد عن أحكام الشريعة الاسلامية.
صور تقطيع الرؤوس وتمزيق الاشلاء ما تزال تحتل المكانة المرموقة في أذهان البعض ومخيلاتهم بحيث أصبح يعرف الاسلام حيثما وجدت الرؤوس المقطعة والتفجيرات التي تستهدف المدنيين العزل أثناء تسوقهم او تجوالهم الطبيعي في احيائهم ومدنهم!
هذا الواقع يجعل من شريحة المسلمين متهمة، لا بل ومنبوذة في بعض أرجاء هذه المعمورة؛ وذلك لتهمة الارهاب، التي لا تنفك عنهم أبداً.
بالإضافة إلى "بؤر التوتر" تتوافر بيئة الإرهاب على مناخ ملائم لتغذيته بين أفراد المجتمع المسلم. هذا المناخ يتمثل ببيئة الفقر والبطالة، التي تستغل من قبل بعض المنظمات الارهابية، والتي تقوم بدورها بتجنيد من تولدت لديه نزعة الانتقام والثأر من المجتمع المستبد الذي أخذ كل شيء من الفقير وأعطى معكوساً مغلوطاً كل شيء للغني. فمن خلال الإغراء المادي والإشباع الايديولوجي بالفكر غير القويم يتم توجيه هذه الفئات لتحقيق الاهداف المرجوة من تجنيدهم.
نستطيع الجزم أن إثارة الرعب والخوف بين أفراد المجتمعات المدنية، يعد بلا خلاف من أكبر الجرائم التي يحاسب عليها مقترفوها. إذ أن كافة الشرائع السماوية متفقة غلى نبذ العنف بكافة أشكاله طريقاً للحوار والتقارب بين أفراد الامم المختلفة، ومن هنا جاءت الشريعة الاسلامية، كباقي الشرائع الاخرى، ترحب بالحوار مع الآخر وتدعو له بخلاف ما يروج له أصحاب الدعوات الهدامة وانصاف المتعلمين، من أن الاسلام دائرة مغلقة لا تتسع إلا للمسلمين، وهذا ما ينقضه تعامل رسول الله محمد مع رجل من اليهود، عندما أخذ عليه السلام شعيرا منه ورهن درعه عنده، والسؤال لما لم يذهب رسول الله لعثمان بن عفان أو لعبد الرحمن بن عوف، وهم من أغنى اصحابه؟ والاجابة بكل سهولة: أن رسول الله أراد أن يعلمنا ان التعامل مع اليهود مع وجود المسلمين لا ضير فيه ولا تثريب على من يأتيه.
كل ذلك يدل بجلاء، لا تُقبل فيه الشبهة، أن الاسلام جعل من السماحة واللين والرحمة والعطف مصادر ترتكز الاحكام عليها، ولا تنفك عنها أبدا. بل حرم الاسلام ان يقوم المسلم بإفزاع اخيه ولو مازحاً، وفي هذا نسوق ما روي عن رسول الله من طريق عامر بن ربيعة: "أن رجلاً أخذ نعل رجل، فغيبها عنه وهو يخرج، فذكر ذلك لرسول الله فقال: لا تروعوا المسلم، فإن روعة المسلم ظلم عظيم". وفي حديث آخر يقول عليه السلام: "من أخاف مؤمناً كان حقاً على الله ان لا يؤمنه من إفزاع يوم القيامة".
الاسلام لم يعترف ببنوة الارهاب، ولا قرابة التطرف، ولا صحبة التنطع في الدين.. فهو يرى من هذه الامور جرائم سلوكية مؤثرة في بنيان المجتمع المتماسك. لذا كانت قواعد ومقاصد هذا الدين تحث وباستمرار على وجوب الاخذ بكل ما من شأنه حفظ تماسك الاسرة والمجتمع معاً. وما دام العنف والرعب والفزع من عوامل هدم عرى المجتمعات وتماسكها فإن الاسلام يعلن مجدداً رفضه بل ويدعو للقضاء على كل ما من شأنه تمزيق الواحد لنصفين.
-د. خالد رمزي البزايعة
نقلا عن جريدة الغد
الإسلام في مواجهة الإرهاب