الأمن الفكري: مفهومه وأهميته وتحدياته

 "لإِيلافِ قُرَيْشٍ(*) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ(*) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(*) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ(*) " صدق الله العظيم    الأمن الفكري مصطلح حديث اكتسب مكانته لارتباطه بمفردتين مهمتين جداً تألف منهما هذ المصطلح وهما: الأمن والفكر. والأمن في معاجم اللغة العربية يدل على معاني طمأنينة النفس وزوال الخوف وهو مرتبط بالأمانة والتأمين وقوله تعالى "وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ" يعني البلد الآمن ومنه أمّن فلان تأمينا واستأمن الحربي أي أمن ودخل دار الاسلام مستأمناً ومنه قوله تعالى "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ" أي أمانا.     والأمن جاء في القرآن الكريم على معانٍ ثلاثة: 1. الأمانة (ضد الخيانة) كما في قوله تعالى "فإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضا فَلْـيُؤَدّ الّذِي اؤْتُـمِنَ أمانَتَهُ" وقوله تعالى "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ". 2. الأمن المقابل للخوف كما في قوله تعالى "أولئك لهم الأمن وهم مهتدون". 3. المكان الآمن كما في قوله تعالى "ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ" أي المكان الذي يأمن فيه، وقوله تعالى "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا".    وعرفت الموسوعة البريطانية الأمن بأنه حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية. والأمن الوطني يعني الحفاظ على قيم الأمة ومعتقداتها وتراثها وهويتها وأرضها وانسانها واستقرارها وتماسكها في مواجه الأخطار المتربصة بها.    أما الفكرفهو إعمال النظر أو الخاطر في الشيء. وجاء في تعريفات الجرجاني: الفكر ترتيب أمور معلومة للتأدي (للتوصل) إلى مجهول.    والفكر هو حركة الذهن وإعمال العقل في موضوع ما لتحصيل معرفة فيه، والتفكير هو المنهج الذي يسلكه العقل للوصول إلى المعرفة وتوظيفها وفق المقاصد المحددة.  مفهوم الأمن الفكري    الأمن الفكري هو المنتوج العقلي الهادف إلى حفظ الأمة في أصل وجودها وفي مرتكزات فعلها وفعاليتها الحضارية ضد المهددات الداخلية والخارجية، وهذا بدوره يؤدي إلى تحقيق قيمة الوحدة الفكرية المتصلة بأساس هوية الأمة لأن الوحدة الفكرية في إطارها العام تؤدي إلى وحدة الرؤى العامة وتحقيق الانسجام المجتمعي للأمة.    والأمن الفكري هو إحساس المجتمع بأن نسقه الفكري وتناسقه الأخلاقي الذي يصنع العلاقة الموحدة بين أفراده سليم غير مهدد من غزو خارجي أو عدوان داخلي، لذلك فإن الأمة تحتاج لما يمكن تسميته بالوعي الأمني وهذا يعني أن الأمن الفكري ليس مسؤولية أجهزة بعينها وإنما هو مسؤولية الجميع من خلال مؤسسات الفكر وصروح العلم والمعرفة والتواصل الاجتماعي، وبالتالي فأن الأمن الفكري لابد أن يشمل الحفاظ على المكونات الثقافية والأصلية في مواجهة التيارات الوافدة أو المشبوهة.    والأمن الفكري تعبير دقيق يصور لنا غاية الاهتمام بفكر الإنسان وحمايته من منهجي الإفراط والتفريط أو الغلو والانحراف فالأمن الفكري كفيل بحفظ فكر الفرد وحمايته وجعله في جادة الوسطية والاعتدال، وفي المقابل فإن الخلل في الأمن الفكري طريق إلى الخلل في الجانب السلوكي والاجتماعي، وما سلكت مجموعة من الامة مسالك العنف والإرهاب والقتل والإرعاب والتدمير والتفجير إلا تشبعت أفكارها وغسلت أدمغتها بما يسوغ لها تنفيذ قناعاتها وتحسين تصرفاتها وذلك راجع إلى رصيد فكري ومخزون ثقافي سلبي أفرز عملاً إجرامياً وسلوكاً عدوانياً.   أهمية الأمن الفكري    يعد الأمن من أهم النعم وأعظمها في حياة الإنسان إذ به يتحقق الاستقرار والاطمئنان الذي يؤهل الإنسان لأداء دوره الحضاري والرسالي على الأرض، وقد امتن الله على قريش بأعظم النعم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إذ حفظ لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء بينما يتخطف الناس من حوله.    فالأمن يمثل أهم الحاجات الإنسانية إذ لا سعادة للإنسان ولا فعالية لوجوده في الحياة من غير أمن، والخوف الذي هو نقيض الأمن ينعكس سلباً على حال الإنسان وسعيه، بل حتى على عبادته وصلاته.    والأمن هو الوسط الصالح لتقديم الهدي وتبليغ الرسالة، فقد اهتم الاسلام بنشر قيم الأمن في المجتمع وسعى إلى تحقيق الحماية الكاملة للمخالف حتى ينظر في هداية الدين بعقله وفكره وقناعته، فقال سبحانه "وإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ"، والمطلوب هنا أن يعطى هذا المشرك الأمان والاطمئنان ليتمكن من السماع والنظر وإعمال العقل لاتخاذ الموقف الذي يقتنع به فإن استجاب فبها ونعمت، وإن لم يستجب فحقه في الأمن يبقى إلى أن يبلغ مأمنه.    وما عرض الإسلام في يوم من الأيام على أحد تحت وطأة السيف إذ أن المبدأ المعروف "لا إكراه في الدين".    والأمن كذلك من أسس البناء الحضاري، فالحضارة الإسلامية هي حضارة الإنسان الآمن المطمئن المتصالح مع ما حوله المشبع بقيم الأمن والسلام.    ويعد الأمن الفكري البعد الاستراتيجي الأهم للأمن الوطني الشامل، فإذا كان الأمن الوطني في مفهومه الشامل يعني تأمين الدولة والحفاظ على مصادر قوتها وإيجاد الاستراتيجيات والخطط الشاملة التي تكفل تحقيق ذلك، فإن الأمن الفكري يتعدى ذلك كله ليشمل البعد الفكري والمعنوي للأمن الوطني. فهو يهدف إلى حفظ الفكر السليم والمعتقدات والقيم والتقاليد النافعة وهو بلا شك يمثل بعداً استراتيجياً للأمن الوطن لارتباطه بهوية الأمة واستقرار قيمها الداعية إلى أمن الأفراد والمجتمع والترابط والتواصل الاجتماعي ومواجهة كل ما يهدد هوية الأمة وثقافتها.    إن الأمن الفكري حينما يتحقق في مجتمع ما فإن ذلك يعني انطلاق العقل بإبداعاته واختراعاته، لأن ذلك الأمن أوجد مناخاً آمناً وجواً مناسباً للتفكير والإبداع، أما مناخ الخوف وتقييد الحريات وتكميم الأفواه فلا ينتج إلا ثقافة الذل والعبودية والطاعة العمياء والتقليد الاعمى، وهذه الأجواء لا تنشأ فيها مبادرة ولا يقوم فيها بناء سليم، إنه جو التلقي والإذعان لا جو الإبداع والابتكار وهو جو تنعدم فيه الثقة وتسود فيه اللامسؤولية واللامبالاة.   تحديات الأمن الفكري ومهدداته    تعترض الأمن الفكري تحديات كثيرة وتقف في وجهه مهددات مختلفة تؤثر على نتائجه الإيجابية وتسلبه أهميته وفوائده ومن أهم هذه التحديات:    أولا: الطغيان والاستبداد الذي يمارسه المتنفذون من الطغاة والبغاة الذين يلجؤون إلى فرض آرائهم بالقوة وتسفيه آراء الآخرين، وهم الذين عبر عنهم القرآن الكريم بالملأ الذين استكبروا، وهؤلاء عادة شعارهم ما ورد على لسان فرعون: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، فقوله هو الحق الذي لا حق غيره وهو فوق النقد أو الاعتراض وهذا الطغيان يؤدي في العادة إلى الظلم والاستبداد وقمع الآراء والحجر على الأفكار. والشعور بالظلم يفقد الإنسان اتزانه ويجعله مبعثاً للأفكار والتصورات الضارة به وبمجتمعه، ومن هنا فقد حذر القرآن الكريم من الظلم وتوعد الظالمين " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ" وجعل الإسلام العدل أمراً إلهياً "  ‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ" وحين يسود العدل لا يبقى أثر لعلاقات العصبية العرقية أو القبلية ولا يحدث اختراق للنسيج الوطني يهدد أمن الأمة واستقرارها، والله تعالى ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.    ثانياً: الجهل، ويمثل الجهل الوسط الأصلح لنمو جراثيم تهدد الأمن الفردي والمجتمعي، والجهل هو التناقض الأكبر بين الإنسان ورسالته في الحياة.    والعلم بمفهومه الشامل وتخصصاته الدقيقة هو الذي يشكل حماية للأمة وتحصيناً لها من أي اختراق يعبث بأمنها وسلامتها واطمئنانها، والعلم لا يأتي بمجرد قراءة نص أو تلقي خبر وإنما يتحقق العلم بالفهم الدقيق والتحري الصادق والتثبت الأكيد وعندئذ يكون الرأي أو القرار رأيا علميا سليما.    وقد ابتلي المسلمون اليوم بالمفاهيم السطحية والقرارات المستعجلة العاطفية فوقع الكثيرون في الجهل بحقيقة الإسلام ومقاصده فقادهم هذا الجهل إلى حالة من الإنسداد الفكري وتخلف بهم الأمر عن اللحاق بركب الحضارة الإنسانية وأصبح العالم الإسلامي يعاني من التخلف والفرقة والعصبية والشاهد على ذلك ما نراه اليوم في العالم الإسلامي من صراعات وحروب بين أبنائه وطوائفه ومكوناته الاجتماعية، وما نراه اليوم في العراق أو الصومال أو ليبيا وغيرها خير شاهد على ذلك. ثالثاً: الغلو والتطرف    الإسلام هو الوسطية الربانية والوسطية هي دين الله الذي ارتضاه لبني البشر " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ" وبهذا استحقت أمة الإسلام هذه الخيرية بشهادة الله تعالى لها لتكون شاهدة على من سواها.    والغلو والتطرف مناقضان للوسطية وهما جنوح عن المنهج القويم وانحراف عن الصراط المستقيم وهما من أهم مهددات الأمن الفكري لإنهما يقومان على تطرف في الفكر يحمله الغلاة ويتعاملون مع الناس على أساسه، علما بأن التطرف الفكري ليس محصوراً في دين معين أو فكر محدد ففي كل أمة متطرفون وغلاة، وبذلك فإن التطرف والغلو ليس خطراً على بلاد المسلمين فحسب بل أصبح العالم كله يشتكي من تداعياته ويدفع ثمن تأجيل علاجه.    إن وجود العنف الناجم عن التطرف الفكري في فهم نصوص الدين والمؤدي إلى استباحة الحرمات وتدمير الممتلكات باسم الدين، ليوجب على الوسطيين مزيداً من بذل الجهد لاحتوائهم بالطرق المشروعة التي لا يتولد عنها تطرف مضاعف.        لقد أخذ العالم الإسلامي يعاني في الفترة الأخيرة من ظاهرة تفشي تيارات التطرف الديني والعقائدي، وما نجم عن ذلك من أعمال عنف وإرهاب وظهور اتجاهات تكفيرية ومدارس التعصب الديني. وقد شجعت أعمال العنف والإرهاب خارج العالم الإسلامي وداخله أخيراً استشراء ظاهرة عداء الإسلام وكراهيته (إسلاموفوبيا)، وهو ما خلق بدوره تحديا جديداً خطيراً للأمن الفكري يقتضي من العالم الإسلامي التعامل معه ومع غيره من التحديات بمنهجية عصرية وخطط ناجعة بكل جدية ومسؤولية.   ورقة عمل مقدمة من الدكتور محمد أحمد الحاج/ أمين عام حزب الوسط الإسلامي المؤتمر الأردني الأول للثقافة والأمن الوطني جامعة العلوم والتكنولوجيا 25/4/2012  
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.