لم يعد رمضان شهر التضحية والجهاد ... شهر المعارك العظيمة ... بدر، فتح مكة، حطين، عين جالوت، حرب رمضان ... الخ. لم يعد شهر البركات والصدقات، شهر التكافل الحقيقي، وتناسي الاحقاد، والاقلاع عن الصغائر والثارات، شهر الالفة والمحبة، ودفن الضغائن ... الخ. وانما -مع الأسف الشديد- أصبح بفعل الانقلاب المريع في القيم، والانحطاط الاخلاقي، وبفعل تكاثر الفساد والمفسدين، وطغيان العهر والنفاق الاجتماعي ... وسيادة النمط الاستهلاكي ... أصبح خيرالشهور عند الله، شهر التكاذب والفشخرة والادعاء والنفاق الاجتماعي ... أصبح سوقا رائجة للفاسدين، ولذوي النعمة المحدثة، لتلميع صورهم الباهتة البشعة ... بارسال طرود الخير للفقراء والمحتاجين، لايهام الناس البسطاء وخداعهم ... وهم في هذا شانهم شأن اللصوص والحرامية الذين يقومون بتبيض اموالهم.
وحتى لا نظلم أحد ... فهذه الصور القاتمة لا تحجب الرؤية عن وجود اناس طيبين، يستغلون هذا الشهر الفضيل للتبرع للفقراء والايتام ومساعدة المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة ... هؤلاء حريصين على اداء الصدقات الى محتاجيها بدون صخب أو ضجيج، عملا بالسنة النبوية “لا تدري يده اليسرى ما فعلت اليمنى”. وحرصا على مشاعر الاخرين، وزيادة في التواضع سمعنا وقرأنا عن نماذج تبرعت لصناديق الزكاة، ولدور الايتام، رافضة الاعلان عن اسمها من قريب او بعيد، وهو ما يجسد قوله عليه السلام: “الخير فيّ وفي امتي الى يوم القيامة “.
وبتوسيع دائرة البيكار، لا بد من تذكير الاثرياء العرب على وجه الخصوص، بالايتام والفقراء في طول الوطن العربي وعرضه، وهم كثر، بعد أن اصبحت دول عدة مثل البمن، العراق، سوريا، ليبيا، وفلسطين مهددة بالزوال، او بالاحرى شعوبا منكوبة. ففي فلسطين والتي نتناولها بالتفصيل؛ لانها تتعرض لاحتلال وتهويد، وشعبها لحصار ونفي لا مثيل لهما في التاريخ، يشكل الفقراء اغلبية الشعب الفلسطيني في القدس الصامدة، 70%، وفي غزة المحاصرة الصابرة حوالي 80%. وقد أشرنا الى ذلك بوضوح واستنادا الى خبر نشرته الصحف الاسرائيلية، عن الوضع الاقتصدي البائس لاهلنا في القدس، بعنوان “اسرجوا قناديل القدس” نشر الاحد الماضي.
ان هؤلاء الناس هم احق الناس بالمساعدة، وأحق الناس بالصدقات وبالزكاة، لتعزيز صمودهم، وتعزيز انغراسهم في ارضهم، وهم يتصدون لاشرس واعنف هجمة صهيونية، شهدها التاريخ تستهدف اقتلاع شعب من ارضه، ونفيه في اربعة رياح الارض.
ندعو الاثرياء العرب ممن ارتضوا ان تكون اوروبا واميركا وشرق اسيا مربط خيولهم، أن يصححوا بوصلتهم، ويعيدوها الى وضعها الطبيعي ... الى امتهم المنكوبة ... الى القدس، وان يتبرعوا لانقاذ ابناء امتهم ... ابناء جلدتهم، ودعم نضالهم وصبرهم الاسطوري، وهم يتمترسون خلف ابواب الاقصى، لحمايته من الدنس الصهيوني.
أليس هؤلاء المرابطين في بيت المقدس واكناف بيت المقدس اولى من التبرع لاندية اوروبا، وحدائق لندن وباريس ومدريد وروما ... وسفح الملايين في اندية القمار في لاس فيجاس وموناكو على الشقراوات الحسان.؟؟
الم يسأل هؤلاء الاثرياء ونقصد هنا الاثرياء الفلسطينيين انفسهم، لماذا وظف اليهود اموالهم لاقامة كيانهم الغاصب، ولا يزالون يضخون المليارات بدءا من روتشيلد وليس انتهاء بموسكوفيتش الذي يمول اقامة المستعمرات حول القدس لفصلها عن محيطها العربي؟ ونعني هنا وبالذات، الاثرياء الذين تهربوا ويتهربون من المسؤولية الوطنية ... ونشيد بمن ساهموا ويساهمون في دعم اشقائهم وبناء المؤسسات والمستشفيات والجامعات كقلاع وطنية.
باختصار ...
أما آن للفاسدين ان يتوبوا الى الله، ويقلعوا عن اساليبهم المبتذله في هذا الشهر الفضيل ؟؟. وأما آن للاثرياء العرب والفلسطينيين، ان ينتهزوا هذه الايام المباركة لمساعدة اهلهم المنكوبين في طول الوطن العربي وعرضه، وخاصة في القدس وغزة ؟؟
إعادة الروح لرمضان